وقد وقف الطوسي عند هذا الأسلوب في القرآن وأشارَ إلى دَلالته وصُوره، وبيّن أنّ الأصل فيه هو (( تنبيه الُمنادى ليُقبِلَ عليكَ ) ) [1] ، وهو (( الدعاء بمدّ الصَوت على طريقة يافلان ... ) ) [2] . وهذا القول لأبي بكر بن السراج حين عرّف النداء بأنّه (( تنبيه المدعو ليُقبِل عليكَ ) ) [3]
وأشارَالطوسي إلى أنّ النداء قد يَخرج عن دَلالته الأصليّة إلى دَلالات إضافيّة أهمّها:
1 ـ الدعاء: إذا كان النداء مُوَجّهًا لله تعالى كان المُراد به الدُعاء، ولذا ليجوز فيه حذف حرف النداء للاستغناء عنه؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لايَغيبُ عنه شيء، من ذلك قولنا: ربّنا، فإذا أُثبت حرف النداء في الدعاء، في نحو: ياالله اغفر لي (( يجوز أن يَخرُج مَخرَج التنبيه التأكيد أن يُقبِلَ عليكَ برَحمتِه، ولأنّك تسألُه سؤالَ المُحتاج أن يُنبّه على حالهِ؛ لأنّ ذلك أبلغُ في الدُعاء وأحسَنُ في المعنى ) ) [4] .
وقد أجازَ النحاة حذفَ حرف النداء تخفيفًا إذا كان المنادى مُقبلًا عليكَ مُتنبّهًا لما تقولُه له [5] ، ولذلك جعلوه خاصًّا بالمُنادى القريب [6] . ولقُرب الله من عبادِه وإقباله عليهم بوجهِه الكريم، فقد جازَ حذفُ أداة النداء عند الدُعاء.
2 ـ التنبيه: إذا كان النداء لما لاينادى خرَجَ مَخرَج التنبيه للمُخاطَب. من ذلك قولُه تعالى {يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيْهَا} [الأنعام: 31] . فقد بيّن الطوسي أنّ الحَسْرة أمرٌ معنوي (( لاتُدعى، وإنّما دُعاؤها تنبيهٌ للمُخاطَبين، و(الحَسْرة) شدّة النَدَم حتى يَحسُر النادم كما يحسُر الذي تقوم به دابّته في السَفَر البَعيد )) [7] ، ومعنى الآية: (( انتَبِهوا على أنّا قد خَسِرنا ) ) (9) . وقيل: إنّ (يا حسرتنا) نداء الحَسْرة والوَيْل على المَجاز، والتقدير: ياحسرةً احضَري لهذا أوانكِ، والمعنى: تنبيه أنفُسِهم لتذَكّر أسباب الحَسرة وهي عدم الامتثال لأوامر الله. ويدلّ هذا اللفظ على النَدامَة وتَضييع العمل [8] .
ونقلَ عن الزجاج قولَه: إنّ العرب إذا أرادت المبالغة في الإخبار عن أمرٍ عظيم ٍيقع فيه جعلته نداءً، فيكون لفظُه لفظَ ما يُنبّه، والمُنبّه به غيرُه كقوله تعالى: {يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}
(1) التبيان 2/ 171.
(2) التبيان 3/ 569.
(3) الأصول في النحو 1/ 401.
(4) التبيان 2/ 171.
(5) شرح الكافية 1/ 159، والبرهان في علوم القرآن 3/ 106، وينظر: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين ...
(6) شرح المفصل 2/ 15، وينظر: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 268.
(7) و (9) التبيان 4/ 115.
(8) ينظر: جامع البيان 7/ 179، والجامع لأحكام القرآن 6/ 413، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 239