وقد يكون التَقرير (( بالعَجز والجَهل، كقولكَ للرجل: هل تعلَم الغَيْب؟ وهل تعرِف ما يكونُ غدًا ... ) ) [1] .
4 ـ الإنكار: وقد وردَتْ آيات كثيرة بهذه الدلالة وقف عندها الطوسي. وقد عدَّ الاستفهامَ الخارِج إلى الإنكار من الأساليب المهمّة في الجِدال؛ (( لأنّه أبلغُ في الكلام وأشدُّ مظاهرةً في الحِجاج أن يخرُجَ الكلام مَخرج التقرير بالحقّ، فتلَتزِم الحُجّة والإنكار له فتظهَر الفضيحةُ، فلذلك أخرَج الجَحد في الإخبار مَخرَج الاستفهام ) ) [2] ، وإنّما أفادَ الإنكار (( لأنّه لاجوابَ لصاحبِه إلاّ بما هو قَبيح ) ) [3] ، أو (( مُنكَر في القَول ) ) [4] ، وإنّما جاء بهذه الدَلالة (( لأنّه أشدُّ في الذَمِّ والتَوبيخ ) ) [5] .
ومن أمثلتهِ قولُه تعالى: {أفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} [المائدة:74] ، وقولُه: {أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} [الصافات:153] ، وقولُه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ} [الزمر:9] . إذ يرى الطوسي أنّ الاستفهام في كلّ ذلك دالّ على إنكارِ المُستفهَم عنه [6] ، وهو لدى غيرِه إنكارٌ وتعجُّب من إصرارهم على الكُفر [7] ، وقيل: هو تَقريع وتَوبيخ [8] ، وهي جميعًا معانٍ مُتداخلةٌ لاخلاف َبينها.
5 ـ التعجب: ومنه قولُه تعالى {: ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أيْدِيَكُمْ وَأقِيمُواْ الصَّلَوةَ} [النساء:77] .والمعنى (( ألَمْ يَنتهِ علمُكَ إلى هؤلاء؟ تعجُّبًا من ذلك، ولو قال: ألم تَرَ هؤلاء؟ أو ألَمْ تعلَم هؤلاء؟ لَم يَظهرْ فيه معنى التعجُّب منهم كما يَظهر بـ(إلى) ؛ لأنّها تُؤذِن بحالٍ بعيدةٍ قد لا ينتهي إليها؛ لبُعدِها، لِما فيها من التعجُّب الذي يَقع بها )) [9] 10)، إذ أظهرَ حرفُ الجرِّ دلالةَ التعجُّب في هذا الاستفهام الذي نزَلَ في أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي استأذَنوه وهُم في مكّة لقتالِ المُشركين، فلَم يأْذَن لهم الرسول وأمرَهم بإقامَة الصلاة، ولمّا أمرَهم بالقتال وهُم في المدينة، خَشوا ذلك وكَرِهوه حِرْصًا على الدنيا وخَوفًا من المُشركين، وجاء التعجُّب من ذلك؛ لأنّه لم يكن يَنبغي أن يَصدُر هذا منهم [10] .
(1) التبيان 4/ 350.
(2) التبيان 4/ 350.
(3) التبيان 1/ 475.
(4) التبيان 4/ 366.
(5) التبيان 8/ 452.
(6) التبيان 7/ 451.
(7) ينظر: مدارك التنزيل1/ 295، وروح المعاني 6/ 208.
(8) ينظر: جامع البيان 23/ 106،15/ 133،والجامع لأحكام القرآن6/ 250.
(9) التبيان 3/ 262.
(10) ينظر: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز1/ 275، وروح المعاني 5/ 85.