وعرَّف الاستفهام بأنّه: (( طَلَب الإخبار بصيغةٍ مَخصوصةٍ في الكلام ) ) [1] ، وأشارَ إلى أنّه (( يقتَضي الإخبار عمّا يُحتاج إليه ) ) [2] ، وفرّق بينَه وبينَ الخبر، إذ إنّ (( الاستِفهام مَوْكولٌ إلى بَيان المُجيب والخَبر إلى بَيان المُخبِر ) ) [3] . فالمُخاطَب هو الذي يُبيّن المعنى المُستفهَم عنه، أمّا الخبر فيبيّنه المتكلّم نفسه.
وفي كلامه إشارةٌ إلى أنّ الاستفهام أصلُه خبر، وقد صرّح به في أكثر من مَوضع [4] ، وهو ما يُقرّه علم اللغة الحديث [5] ، إذ إنّ الاستفهام في مَفهومِه التَركيبي: تحويلُ تركيبٍ إخباريّ إلى استفسارٍ، باستعمال أدواتٍ خاصّة وتنغيمٍ مُعيّن، فالجُملة النَواة هي خَبريّة، وبإضافة إحدى أدوات الاستفهام إليها تحوّلت إلى جملة جديدة.
وذكر الطوسي شيئًا من آداب الاستفهام، منها أنّ (( كلَّ ما يزجُر العَقل عنه، بما فيه الداعي إلى الفَساد لايجوز السؤال عنه، كسُؤال الجَدَل لدَفعِ الحقِّ ونُصرَة الباطل، وكالسُؤال الذي يقتَضي فاحِش الجَواب؛ لأنّه كالأمر بالقَبيح ) ) [6] 8).
وبيّن أنّ الدَلالة الأصلية للاستفهام هي الاسترشاد والاستعلام، كقولكَ: أين زيدٌ؟ ومَن عندكَ؟ وعدّه ممّا لا يَجوز على الخالِق تعالى اسمُه [7] 9). وقد يَخرج إلى دَلالات إضافية يقتَضيها السياق أهمّها:
1ـ التوبيخ والتقريع: قال: (( هو خَبر في المعنى كقولكَ: ألَمْ أُحْسِن إليكَ فكفَرتَ نِعمَتي؟ ألَمْ أعطِكَ فجَحَدتَ عَطيّتي؟ ) ) (10) ، ومثّل له بقوله تعالى {: ألَمْ أعْهَدْ إِلَيْكُمْ} [ياسين: 60] وقوله: {ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ} [الأنعام: 130] وقوله: {ألَمْ تَكُنْ ءَايَتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون:105] ، فالآيات الثلاث وإن خرَجَ الاستفهام فيها إلى التقريع والتوبيخ، فإنّه إثبات للخَبر المُستفهَم عنه، والمعنى أنّ (اللهَ عهَدَ إلى عباده) و (أنّه أرسلَ إليهم رسولًا) و (أنّه بعثَ إليهِم من يَتلو عليهِم آياته) ولكنّ الجَواب على هذه الأسئلة (( لايأتي إلاّ بما يَسوء من القبيح ) ) [8] ؛ لأنّه إقرارٌ بالكُفر والإنكار والعِصيان، ولذا دخلَ التقريع مع الاستفهام. فضلًا عن ذلك فإنّ دُخول همزَة الاستفهام على حَرف الجَحدِ أو النَفي يُفيد الإثبات والتَقرير [9] ، وقد أشارَ إلى ذلك
(1) التبيان 10/ 238.
(2) التبيان 2/ 75.
(3) التبيان 4/ 344.
(4) ينظر: التبيان 4/ 349، 7/ 201، 8/ 402، 452.
(5) الأنماط التحويلية في الجملة الاستفهامية العربية 32 ... .
(6) التبيان 10/ 238.
(7) و (10) التبيان 4/ 349.
(8) التبيان 4/ 439.
(9) ينظر: شرح الكافية 2/ 388 ـ 389.