ولم تكن مُكوَّنات البحث الدلالي لدى المفسّرين مُنفصلة عن مُكوِّنات البحث اللغوي، ذلك لأنّ القرآن الكريم هو الحافز الأكبر لنشأة الدراسات العربية عمومًا، إذ وجدت لخدمته، الأمر الذي أدّى إلى تداخل هذه الدراسات، حتى أنّنا نرى مُفسِّرًا لغويًّا وفقيهًا مُحدِّثًا ومُقرئًا نحويًّا وكلاميًّا صرفيًّا، بل قد نجد مَن يجمع أكثر هذه المعارف، أو كلّها جَمعًا تتفاوت درجة الاتقان فيه من دارس إلى آخر [1] .
ويختلف مفسّر النصّ القرآني عن الأديب المفسّر للنص الأدبي، إذ تنعكس شخصية الأديب وأحاسيسه وأفكاره على الجوانب المعنوية التي يَسعى إلى الكشف عنها في النصّ الأدبي، غير أنّ المُفسِّر للنصّ القرآني يبذل جَهدًا في تسخير قُدراته الثقافيّة والعلميّة في الكشف عن مقاصِد الإرادة الإلهيّة، وكيفية تعاملها مع السلوك البشري على مرِّ العصور والأزمان، إذ تُخطّط للحياة وتُمهّد للمستقبل وتعمل لحماية الإنسانيّة بكل انحرافاتها وغرائزها وعواطفها [2] .
ومن أجل تحقيق هذا الغرض نجد المفسّر في الغالب يَستنبط من النصّ معاني يأذَن بإضافتها إليه نظمُه وتركيبُه، ووسيلته في استنباط هذه المعاني هو التأويل، فالتأويل ألصَق بالمفسِّر من غيره؛ لأنّه يحاول دائمًا أن يكشف عن معانٍ جديدة في النصّ، ويتطّلع إلى دَلالات أخرى غير تلك التي تُعرف بالدَلالات الثانية في النصّ [3] . وهي الدَلالات الثالثة التي تكون إمّا فقهية أو عقيدية أو دينية فلسفيّة أو تشريعيّة.
والمفسّرون بنحوٍ عام يبسُطون شخصيّاتهم على النصّ الذي يفسّرونه بما حصّلوه من المعارف وما استقر في وعيهم من الثقافات، ولذا اختلفت مناهجهم في التفسير، فقد كان الأوائل منهم يُعنَون بالدلالتين الصرفيّة والنحويّة أكثر من غيرها، من أمثال الفراء، والأخفش (ت 215هـ) ، وابن قتيبة، والزجاج [4] . على حين عُني من جاء بعدهم من المفسّرين باستنباط الدلالة بكلّ أنواعها من صوتيّة وصرفيّة ونحويّة وبلاغيّة وصولًا إلى استنباط الدلالة الفقهيّة والشرعيّة، ولاسيّما المتأخّرون منهم من أمثال: الطوسي، والطبرسي، والقرطبي (ت671هـ) ، والبيضاوي (ت791هـ) .
وكان هؤلاء مهتمّين بالمعنى كثيرًا، إذ يتتّبعون دَلالات الألفاظ على مَعانيها في أحوالها المختلفة، من تعريفٍ وتنكيرٍ، وإفرادٍ وجَمعٍ، وذِكرٍ وحَذفٍ، وبَحثوا في أثر النظم في اختيار الألفاظ عامّة والفواصل خاصّة، وأسباب العُدول من لفظ إلى آخر، ودَلالات الصيغ، وأشاروا
(1) الدراسات اللغوية عند العرب إلى القرن الثالث: محمد حسين آل ياسين 78.
(2) المدخل إلى دراسة البلاغة العربية 64 ـ 65.
(3) المصدرنفسه66 ـ 67.
(4) ينظر: أثر القرآن في النقد العربي: محمد زغلول سلام 50، وتطور تفسير القرآن، قراءة جديدة: محسن عبد
الحميد49ـ50.