الصفحة 18 من 337

وربطوا دَلالة الألفاظ بالفكر الإنساني، فهي دَلائل الحُكم على صحَّة الفِكر أو خَطئِه؛ ولذلك حرَصوا على استقراء وجوه الدلالة وعَلاقة الألفاظ بعضها ببعض، فضلًا عن إرادة المتكلّم وقصده [1] ، فقد أوْلوا قصد المُشرِّع عنايةً بالغةً بحثًا عن الدَلالة، ولذلك لجؤوا إلى التأويل الذي ارتبط بالنصّ والعقل معًا، مع تأكيد الأداء اللغوي للمعنى، وحياة الشريعة وظروف أهلها، والتطّور الدلالي للألفاظ بما يوافق الحياة الإسلامية الجديدة [2] .

وقسّموا دَلالات الجمل على قسمين: المنطوق الذي يُستقى من ترتيب النصّ، ويَختلف باختلاف سياقات الجملة. والمفهوم الذي يُستنبَط معناه من الكلام بطريق الالتزام، إذ يكون حُكمًا لغير المَذكور [3] .

ويمكن القول إنّ علم الأصول وثيق الصلة بعلم الدلالة، وإن مباحث الأصوليين هي دلالية بحتة، وقد ربطها بعض المحدثين بمباحث علم الدلالة الحديث فكانت على النحو الآتي [4] :

1ـ علم دلالات الألفاظ، ويقابله علم المعنى عند المحدثين.

2ـ علم بناء الجُمل، ويقابله علم النحو.

3ـ علم علاقة الرموز بالسلوك، ويقابله علم الذرائعية أو البراغماتية الذي يختصّ بمعرفةعلاقة النص بالمتلقي ومعرفة من يُحسّن ويقبّح الأحكام ومن يتقبّلها، ويحدّد العلاقة بين المُشرِّع والمُكلَّف.

وهم في كلّ ذلك لا يبتعدون عن مَفهوم الدَلالة لدى اللغويين، فتراهم يأتلفون مرّةً، ويختلفون أخرى.

وممّن كان له عناية بالبحث الدلالي أيضًا المفسّرون، فقد ارتبط علم التفسير بعلوم اللغة كافّة؛ لأنّها وسيلته في تفسير آيات القرآن الكريم وتوضيحها. ولذا تُعدّ من ألزم العلوم التي يجب على المُفسِّر أن يلمَّ بها حتى يُسوَّغ له أن يقول في كتاب الله تعالى ما ينوِّر الله به بصيرتَه [5] .

والبحث في الدَلالة هو عَماد التفسير، إذ تُسخَّر علوم اللغة والنحو الصرف والتاريخ والأصول والفقه والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول للوصول إلى الدَلالة. ولذا فقد عُني المفسّرون بمباحث علم الدلالة وزخَرت مؤلّفاتهم بمسائلَ دَلالية غنيّة سبقوا فيها علم اللغة الحديث.

(1) المدخل إلى دراسة البلاغة العربية: السيد أحمد خليل 39.

(2) التصور اللغوي عند الأصوليين: السيد أحمد عبد الغفار 113، 117، 118.

(3) المستصفى من علم الأصول2/ 190 ـ191.

(4) الرسالة الرمزية في أصول الفقه: عادل فاخوري 11، وينظر: البحث الدلالي عند ابن سينا 33.

(5) ينظر البرهان في علوم القرآن: الزركشي 1/ 22، والإتقان في علوم القرآن: السيوطي 2/ 180، والتفسير

والمفسرون: محمد الذهبي 158، والقرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية: عبد العال سالم مكرم 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت