قوله تعالى بعدها: {الْئَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيْكُمْ ضَعْفًَا فَإِن يَكُن مِنكُمْ مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يًغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} [الأنفال: 66] إذ، نَسخَت هذه الآية حُكْم التي سبقتها؛ لأنّ الله عَلمِ أنّ فيها إجهادًا وكُلفةً على المسلمين، وتغيّرت المصلحة في ذلك، فنقلَهم إلى وجوب ثبات الواحد لاثنين من الكفّار فخفّف ذلك عنهم [1] .
وخروج الخبر إلى الأمر من الأساليب التعبيريّة التي عرَفها عُلماء العربية، وأشار إليه غير واحد منهم [2] ، وعلّله الزمخشري بأنّه: (( تأكيد للأمر بأنّه ممّا يجب أن يُتلقّى بالمُسارعة إلى امتثاله ) ) [3] .
(2) دلالة الخبر على الإلزام:
ومن ذلك قوله تعالى على لسان إبراهيم ـ عليه السلام ـ في شأن تكسير الأصنام: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] ، فقد خرج الكلام (( مَخرَج الخبر، وليس بخَبر، وإنمّا هو إلزامٌ دلَّ على تلك الحال، كأنّه قال: بل ما تُنكِرون فعلَهُ كبيرُهم هذا ... ) ) [4] .
والإلزام إثبات الحُكم والأمر على المُخاطَب [5] ، ويأتي على عدّة صيغ فتارةً بالسؤال، وتارةً بلفظ الخبر [6] ، ومعناه في الآية: أنّ من اعتقد وآمن بعبادة هذه الأصنام يلزَمه أن يُثبِت لها فِعلًا، فإلهكم هو الذي كسّر الآلهة لأنّ غير الإله لا يقدِر على فِعل ذلك [7] .
(3) دَلالة الخبر على التَقريع والتَوبيخ:
ومن ذلك قوله تعالى في خطاب المُكذّبين والمُعاندين: {هَذا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطفّفين: 17] قال الطوسي: (( يُقال لهم على وَجه التَقريع والتَبكيت: هذا الذي فعلَ بِكم من العِقاب {هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذْبُونَ} في دار التكليف، وإنما سُمّي مثل هذا الخطاب
(1) التبيان 5/ 154، وينظر في هذه الآية جامع البيان 10/ 93 ومعاني القرآن الكريم 3/ 169، والجامع لأحكام
القرآن 3/ 423.
(2) ينظر: الصاحبي: 290. ... .
(3) الكشاف 1/ 365.
(4) التبيان 7/ 259.
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن (لزم) 470.
(6) مجمع البيان 4/ 53.
(7) ينظر الجامع لأحكام القرآن 11/ 300، وروح المعاني 17/ 64.