الصفحة 175 من 337

ومن النصوص السابقة يتبيّن أنّ الطوسي يُعطي للمُتكلّم والمخاطَب أهميّة بالغة في توجيه الخبَر والغَرض منه، إذ يَربط تَنوّع الخبر بتنَوّع حال المخاطَب، وهي إمّا الجهل بالخبَر أو الشكّ فيه أو الإنكار له، وما خَرَج عن هذه الأحوال يَجدُ له تعليلًا يُناسبه، وهو في ذلك يسير على خطى سابقيه من علماء العربيّة الأوائل الذين أوْلوا هذا الجانب اهتمامًا كبيرًا، وأشاروا في دراستهم النحويّة والبلاغيّة إلى أنّ كثيرًا من الأحكام النحويّة تكون استجابةً لحال المخاطَب، وفسّروا كثيرًا من الاستعمالات اللغويّة وطرائق بناء الجُملة العربيةّ وحالات الإعراب المُختلفة تبَعًا لِما يكون عليه المخاطَب وأكّدوا ضرورةَ مُراعاة الأحوال المُحيطة به [1] ... فكانوا بذلك قادرين على فَهم البِنية العميقة للتركيب النحوي [2] .

وقد لقي موضوع مُراعاة المُخاطَب في صياغة الكلام عنايةً لدى المُحدثين أيضًا، وفي ذلك يرى د. مهدي المخزومي أنّ فهمَ الجُملة يتوّقف على حال المُتكلم والمخاطَب، لأنّها (( خاضِعة لمُناسبات القَول وللعَلاقة بين المُتكلّم والمُخاطَب ولا يتمّ التفاهم في أيّ لغة إلا إذا روعيَت تلك المُناسبات، وأخذت العَلاقة بين أصحابها بنظر الاعتبار، ولكن لايكون الكلام مفيدًا ولا الخبر مؤدّيًا غرضَه ما لم يكن حال المُخاطَب مَلحوظًا ليقعَ الكلام في نفس المُخاطَب موقع الاحتفاء والقَبول ) ) [3] .

دلالة الخبر:

ومن مَظاهر عناية الطوسي بدَلالات مَعاني الكلام تنبيهه على خروج الخبر عن دَلالته الأصلية إلى دَلالات أخرى مُكتسبة يَفرِضها السياق ووَاقع الحال والظروف المُحيطة بكلّ من المُتكلّم والمُخاطَب، وقد حفِلَت الآيات القرآنية بالكثير من تلك الدَلالات التي أشار إليها في عدّة مواضع من تفسيره، من ذلك:

(1) دلالة الخبر على الأمر:

وذلك في قوله تعالى: {وإِن يَكُن مِنكُم عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] فالكلام: (( وإن كانَ بلفظ الخبر، فالمُراد به الأمر ) ) [4] ، ومعناه يدلّ على وجوب ثَبات المؤمن الواحد لعشرة كفّار في القتال، فضلًا عن ذلك فإنّ الدَلالة الشرطيّة ماثلة في هذا الخبر، لأنّ الشرط أحيانًا لا يُراد به الإخبار المُتضمّن تعلّق شيءٍ بشيءٍ، وإنمّا قد يُراد به الأمرَ بمَضمونه، كأنّه قد قال: التزِموا هذا واثبُتوا واصبِروا. والدليل على إرادة الأمر في هذه الآية

(1) مراعاة المخاطب في الأحكام النحوية في كتاب سيبويه: كريم حسين ناصح الخالدي 18 (بحث) .

(2) نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي: نهاد موسى88،وينظر مراعاة المخاطب في الأحكام النحوية18

(3) في النحو العربي: نقد وتوجيه 225، وينظر مراعاة المخاطب في الأحكام النحوية 18.

(4) التبيان 5/ 153، وينظر منهج الطوسي 332.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت