يدفعُه إلى أفعالٍ يُطفئ بها غضبه فإذا سَكَن ذلك الغضَب، وهدَأت نفسُه، كان ذلك بمنزلة سُكوت حديث نفسِه لهُ، وسُكوت إغرائها لهُ بتلك الأفعال، وكأنّ الغضب هو النفس الناطقة [1] 1).
وـ يد الله: ورد هذا التركيب الإضافي في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ... } [المائدة:64] ،وقد ذكر الطوسي في تفسير نسبة اليد إلى الله تعالى بأنّها تأتي على خمسة أوجه: (( أحدها: الجارِحَة، الثاني: النِعمَة، الثالث: القوّة، الرابع: المُلْك، الخامس: تحقيق إضافةِ الفعل ) ) [2] 2)، ويتضح هنا تتّعه للتطوّر الدلالي لهذا اللفظ، فهو يدلّ أولًا على أصله الحسي الذي هو الجارِحَة أي اليد المعروفة لدى الإنسان، ثم انتقل للدلالة على معانٍ عدّة كالنِعمَة والقوّة والمُلْك، ونظّر لذلك بقوله تعالى: {أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَرِ} [ص:45] والمُراد أولي القوى، وبقول العرب: لفلان على فلان يدٌ، أي نِعمَة [3] 3).
ومعنى قوله (بل يداهُ مبسوطتان) أي: نِعَمهُ مَبسوطَة، وورد اللفظ مثنّىً على سبيل المبالغة في صفة النِعمَة، وبأنّ النعمة مَبسوطة في الدنيا والآخرة [4] 4)؛ لأنّ كلاًّ من النوعين اختصّ بصفة تُخالِف صفة الآخر، فنِعَم الدنيا الزائلة تختلف عن نِعَم الآخرة الخالدة، ولذلك صارا كأنّهما جِنسان مختلفان فثُنِّيت اللفظة للدلالة عليهما [5] 5)، وقيل: إنّ الردّ وَردَ بالتثنية ليكون (( أبلغَ وأدلَّ على إثبات غاية السَخاء له ونفي البُخل عنه، وذلك أنّ غاية مايبذله السَخي
بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعًا، فبُنيَ المجاز على ذلك )) [6] 6). وفي هذا التعبير كناية عن القدرة، بل كمال القدرة، وفيها إيحاءٌ بانتساب تلك القدرة العظيمة إلى الخالق عزَّ وجلَّ كانتساب الإنفاق والجود إلى اليد من حيث بَسطِها وغَلِّها [7] 7).
وواضح في هذا التفسير انتقال دلالة لفظ (اليد) من مجال حسي إلى آخر معنوي، والفائدة من هذا الانتقال تصوير الحقيقة المعنوية بصورة حسية ملازمة لها غالبًا، ولاشيء أثبت من الصور الحسية في الذهن (( لأنّ الجَوارِحَ خدَمُ القلب، فإذا ذهبَ القلبُ إلى شيء ذَهابًا مَعقولًا، ذهبَ الجوارح نحو ذلك الشيء ذَهابًا مَحسوسًا ) ) [8] 8). ولمّا كان البُخل والجُود أمرين معنويين
(1) التحرير والتنوير: الطاهر بن عاشور 9/ 122.
(2) التبيان 3/ 580.
(3) التبيان 3/ 581.
(4) التبيان 3/ 581، وينظر مجمع البيان 2/ 218.
(5) ينظر: تلخيص البيان 133، وأمالي المرتضى 2/ 4.
(6) الكشاف 1/ 628.
(7) الميزان في تفسير 6/ 31.
(8) نتائج الفكر في النحو 227.