الصفحة 163 من 337

الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ [آل عمران: 151] ، ومثله قوله تعالى: {وَأُلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} [طه: 39] .

والإلقاء في اللغة مِن ألقى: بمعنى طَرَحَ ورَمى بالشيء مِن يَده، وألقى المَتاع على الدابّة: وضعَه، وألقى الله الشيء في القلوب: قذَفَه، وألقى إليه القولَ وبالقول: أبلغه إيّاه، وألقى إليه السلام، حيّاه به [1] 1)، إذ انتقل الإلقاء من طَرحِ الأشياء المحسوسة إلى طَرحِ المعنويات.

هـ ـ سُكوت الغضب: ومن جميل وقفاته الدلالية في هذا المستوى، وقوفه عند قوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف:154] ولذا سيذكر نصه كاملًا من دون تجزئة لما فيه من فائدة دلالية متميّزة لم يقف عليها البحث عند سواه من المفسّرين الذين سبقوه، إذ قال: (((لمّا سكَتَ) ،سكَنَ، وسُمي ذلك سُكوتًا وإن كان الغضب لايتكلّم لأنّه كان بفَوْرَته دالاّ على ما في النفس من المَغضوب عليه، كان بمنزلَة الناطِق بذلك، فإذا سكَنَت تلك الفَوْرَة كانت بمنزلة الساكِت عمّا كان متكلمًا به، والسُكوت في هذا الموضِع أحسنُ من السُكون؛ لتضمّنه معنى سُكوته مع سُكون غضَبه. والسُكوت هوالإمساك عن الكلام بهيئة منافية لسببه، وهو تسكينُ آلة الكَلام، وإنّما قيل سكَتَ الغضَب وسكَتَ الحُزن على طريق المَجاز، إلا أنّه في شيء يَظهر أثَره، فيكون بمنزِلة الناطِق )) [2] 2) فالسكوت لديه أعمّ من السُكون، وقد استعيرت لفظة (سكَتَ) للتعبير عن سُكون غَضَب موسى (عليه السلام) ، وهو من باب استعارة محسوس ـ وهو الكلام المسموع ـ لمعقول وهو الغضب الذي يمثل حالة انفعالية يمرّ بها الإنسان إذا حدث مالا يرضيه.

وهذه الاستعارة ضرب من التشخيص الفنّي أضفت على معنى الغضب الحياة، وخلعت صفة الأنسنة على ماهو نفسي وذلك بتصييره ناطقًا ثمّ ساكتًا، وكأنّه إنسان مسلّط على موسى (عليه السلام) يدفعُه ويحثّه على الانفعال ويُغريه بإلقاء الألواح وجرّ رأس أخيه، حتى إذا سكَتَ عنه وترَكَه لشأنِه وقطَع الإغراءَ، عاد موسى (عليه السلام) إلى نفسه، وفي ذلك حُسن التعبير وبلاغة الأسلوب [3] 3). ولم يكن ذلك الحُسن، إلا لأنّ السُكوت أوسع دلالة على ثَوَران ذلك الغضب، فلو قال سَكَن لما كان له ذلك الأثَر، لأنّ الغضَبَ يُجيِّشُ في نفس الغَضبان حديثًا

(1) ينظر (لقي) مقاييس اللغة 5/ 260 ـ261، ولسان العرب 15/ 257، والمعجم الوسيط 2/ 842.

(2) التبيان 4/ 553.

(3) الكشاف 1/ 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت