لايُدركان بالحسِّ، وتلازمهما صورتان حسيتان هما: قَبض اليد للبُخل وبَسطها للجُود، فقد عبّر عنهما بما يلازمهما لتوضيح صورتيهما وتيسير فهمهما [1] 1).
ويقال مثل هذا الكلام في جميع الآيات التي ورد فيها ذكر جوارح منسوبة إلى الذات الإلهية؛ لأنّها جميعًا وردت على سبيل الكناية للدلالة على القدرة والهيمنة الإلهية والتمكّن على التصرّف والتدبير في أمور الخلق.
وهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع في تفسير التبيان [2] 2).
(4) الانتقال من مجال معنوي إلى مجال حسي:
يحدث في هذا المستوى انتقال الألفاظ من مجال دلالتها المعنوية إلى مجال دلالي حسي، ويرمي هذا الأسلوب إلى توضيح الدلالة عبر عملية التصوير، وهي نوع من المجاز يسعى إلى الإثارة والإبداع البلاغي [3] ، وهي وسيلة من وسائل القرآن الفعّالة في تحقيق مَقاصده وأغراضه، وفي إظهار المعاني وتَقريبها، إذ تظهر المعاني المُجرّدة في صور حسيّة رائعة، وتجري مَجرى الأمثال، كقوله تعالى في تصوير عمل الكافرين والمنافقين (هباء) [4] .
والتصوير المقصود في هذا الحديث هو الخاصّ بالألفاظ، وليس بالصوَر المركَّبة أو الجُمل؛ لأنّ البحث بصدد التغيّر الدلالي الخاصّ بالألفاظ من دون التراكيب، إذ تُدرك الفكرة التي يعبّر عنها اللفظ المفرد بالحواسّ كأنّها تُرى أو تُسمَع أو تُلمَس.
وجاء هذا النوع من الانتقال قليلًا قياسًا إلى المستوى الثاني الذي كان أكثر شيوعًا في اللغة [5] ، وهو كذلك في تفسير التبيان؛ إذ ورد مثالان، أحدهما: متفق عليه لدى المفسرين والبلاغيين، والآخر: وقع فيه الطوسي بِوَهْم وخالَف سابقيه ولاحقيه.
المثال الأّول هو: (رؤوس الشياطين) : قال تعالى في وصف شجرة الزقوم: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوْسُ الشَّيَطِينِ} [الصافات:65] ، وهذه من أشهر التشبيهات التي وقفت عندها أكثر كتب التفسير والبلاغة واللغة، وقد ذكر الطوسي أنّ هناك ثلاثة أقوال في تأويل هذا التشبيه يسوِّغ استعمال رؤوس الشياطين مع أنّها لم تُرَ قط، أهمّها ـ وهو الراجِح لديه ـ (( أنّ قبح
(1) الكشاف: حاشية الشريف الجرجاني 1/ 628.
(2) ينظر: شراء الكفر بالإيمان 1/ 348، والصفح 1/ 407، والذكر 2/ 31، والدرجات 4/ 191، وغمر 4/ 203، ...
والحرج 4/ 267، والمكر 4/ 480 ـ 481، والفتنة 5/ 231، والوحي 6/ 403، وأشتعل الرأس 7/ 104،
والعقبة 10/ 353 ـ 354، وغيرها كثير.
(3) دلالة الألفاظ 160.
(4) الطبيعة في القرآن الكريم: كاصد ياسر الزيدي 458.
(5) دور الكلمة في اللغة 186.