لسان زكريا (عليه السلام) : {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًَّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقٌوبَ} [مريم:5 ـ 6] ، يريد وِراثة النُّبوة والعِلم والفَضيلة من دون المال، فالمال لاقدَر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه أو يتوارثوه، بل قلّما يقتنون المال ويتملّكونه [1] 1). وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (نحنُ معاشرَ الأنبياءِ لا نورَثُ، ما تركناهُ صدقةً) [2] 2).
د ـ الأسباب: في قوله تعالى: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأَسْبَبِ} [ص:10] ، وقف الطوسي عند هذا اللفظ فقال: (( وهي جمع سَبَب، وكلّ مايتوصل به إلى المطلوب من حَبل أو سُلّم أو وَسيلة أو رَحِم أو قَرابة أو طَريق أو جِهة، فهو سَبَب، ومنه قيل: تسبَّبتُ بكذا إلى كذا، أي توصلتُ به إليه ) ) [3] 3).
وهو يشير هنا إلى الأصل الحسي للفظ (سَبَب) ، وكيفية تدرّجه في الدلالة وانتقاله إلى مجال معنوي ـ وإن لم يفصح عن ذلك ـ لأنّ الحَبل والسُلّم شيئان ماديان أو حسيان، والوَسيلة والرَحِم والطَريق والجِهة أشياء معنوية، والسبب في أصله اللغوي: الحَبل القوي الطويل الذي يُستعمل للصعود والانحدار [4] 4)، وسُمّي كلّ ما يُتوصّل به إلى شيء سببًا [5] 5).
واختلف المفسرون في هذه الآية فقد قيل الأسباب: المَعارِج والمَناهِج التي يتوسَّل بها للصعود إلى السماء [6] 6)، وقيل هي الحِيَل، أي: فليَحتالوا في أسبابٍ توصِلهم إلى السموات، وقيل: أسباب السموات أبوابها [7] 7).
د ـ الإلقاء: قال الطوسي: (( وحقيقة الإلقاء تصيّر الشيء إلى جِهة السُفل ) ) [8] 8) وحدّده في موضع آخر بأنّه في الأصل حسيّ الدلالة ثم انتقل إلى دلالة معنوية، يقول: (( والإلقاء حقيقته في الأعيان ) ) [9] 9)، ومثّل له بقوله تعالى: {وَألْقَى الأَلْوَاحَ} [الأعراف:150] ، ثم انتقل إلى الدلالة على المعنويات، ومثّل له بقول القائل: (( ألقى عليه مسألةً مجازًا، كما يُقال طَرحَ عليّ مسألة ) ) [10] 10)، ولذا (( استعمل في الرُعْب مجازًا ) ) [11] 11)، ومنه قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ
(1) بصائر ذوي التمييز 5/ 195.
(2) صحيح مسلم: باب حكم الفيء 3/ 1378،وسنن الترمذي: باب ما جاء في تركة رسول الله 4/ 157.
(3) التبيان 8/ 536.
(4) ينظر (سبب) العين 7/ 203، ولسان العرب 1/ 459.
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن 225.
(6) الميزان 17/ 193.
(7) مجمع البيان 4/ 466.
(8) التبيان 2/ 151.
(9) التبيان 3/ 16.
(10) التبيان 2/ 151.
(11) التبيان 3/ 16.