الصفحة 161 من 337

ويتفق المفسّرون على ماقاله الطوسي وهو أنّ الإبصار في هذه الآية يُراد به معرفة الحق والعمل به، والعَمى يُراد به التجاهل عن الحق والتغافل عنه وترك العمل به؛ لأنّ البَصيرة للقلب كالبصَر للبدن. فهي البيِّنة والدلالة التي تجلّي الحق وتبصّر بحقيقة الأمور [1] .

ب ـ إبصار النهار: قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليْلَ لتسْكُنُواْ فِيْهِ وَالنَّهَاَر مُبْصِرًا} [يونس:67] ، وقال الطوسي في هذه الاستعارة: (( وجَعلَ النهار مُبصِرًا، وإنّما يُبصَر فيه تشبيهًا ومجازًا واستعارة بسببه على وجه المبالغة ) ) [2] فهو يرى أنّ هذا التعبير جَمعَ بين المجاز والتشبيه والاستعارة؛ وذلك لأنّ وصف النهار بالإبصار خروج عن الحقيقة، حيث شبّه النهار بالإنسان المُبصر؛ لأنّ المشبّه به مَحذوف وذُكرت إحدى صفاته وهي الإبصار، فهو استعارة مكنية وتفسير ذلك: أنّ النهار مُسبّب للإبصار بضوئه الذي يبعث على العمل والنشاط والرؤية الواضحة، والتفكّر في خلق الله حتى كأنّه هو المُبصِر لكلّ شيء، وهذا على وجه المبالغة [3] . ولو وصف النهار بأنّه مُضيء لما كان له وَقعٌ كوصفه بالإبصار، فهذا أبلغ وأدلّ على مَوقع النعمة؛ لأنّه يَكشف عن وجه المَنفعة [4] 4)، التي توحي لنا بأنّ النهار يرقَبُنا ويُبصِر أعمالنا وكأنّ له عينيين ليشهد علينا أعمالنا في الخير والشر [5] 5).

ج ـ الإرث: ورد اللفظ بصيغة المضارع في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِهَا} [الأعراف: 100] ، وقد عدّ الطوسي الإرث هنا: (( على وجه المجاز؛ لأنّ الإرث ترك الماضي للباقي مايَصيرُ له بعده، وحقيقة ذلك في الأعيان التي يصحّ فيها الانتقال، وقد استعمل على وجه المجاز في الأعْراض، فقيل العُلماء وَرَثة الأنبياء؛ لأنّهم تعلّموا منهم وقاموا بما أدّوه إليهم ) ) [6] 6).

وقد سبقت الإشارة إلى تحديد مفهومي الأعْيان والأعْراض [7] 7)، ونجد في هذا اللفظ انتقالًا من دلالة حسية تتمثل بما يتركه المتوفّى من مال وأرض ودار وكلّ شيء كان مُلكًا له إلى بنيه وأقاربه ـ فالإنسان وارث وموروث ـ إلى دلالة معنوية هي العِلْم والفِكر والثقافة الدينية التي يتركها الأنبياء لعلماء أديانهم، فليس للأنبياء إرْثٌ سوى العِلم والمَعرفة والدين. وقد قال تعالى على

(1) ينظر الكشاف 2/ 42، ومجمع البيان 2/ 345.

(2) التبيان 5/ 405.

(3) تلخيص البيان 156

(4) النكت في إعجاز القرآن 81.

(5) التعبير القرآني: فاضل السامرائي 28ـ29.

(6) التبيان 4/ 482.

(7) ينظر: ص 199من الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت