الصفحة 160 من 337

ويحدث هذا الانتقال عبر المراحل الزمنية الممتدّة في مسيرة حياة اللغة، فهو لايحدث فجأة وبسرعة، وإنّما يحدث بصورة تدريجية، إذ تظلّ الدلالتان الحسية والمعنوية سائدتين معًا جنبًا إلى جنب حقبة من الزمن، ووسيلة هذا الانتقال ـ كما سبق الذكر ـ هي الكناية والتشبيه والاستعارة التي تعدّ من أهمّ وسائل نقل المعنى وتوسيع الدلالة، وهي في هذا الباب وسيلة لنموّ اللغة وليس للتأثير الفني [1] . حيث اتخذت وسيلة للتعبير عن المشاعر والعواطف والمعاني النفسية والعقلية.

ويمثّل هذا المستوى الاتجاه الظاهر في تطوّر دلالة الألفاظ؛ لأنّ هذا الاتجاه أكثر شيوعًا من الانتقال في الاتجاه المضاد [2] .

وقد وردت الأمثلة على هذا المستوى في تفسير التبيان كثيرة جدًا، وسيقتصر البحث على نماذج منها.

أ ـ العلم إبصار والجهل عمى: قال تعالى: {فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلِيْهَا ... } [الأنعام: 104] ، وقد وقف الطوسي عند هذه الاستعارة فقال: (( وقوله(فَمَن أَبصَر فلنَفسِه) ، يعني من تبيّن بهذه الحجج، بأن نظرَ فيها حتى أوجبَتْ له العلمَ وتبيّن بها، فمنفعة ذلك تعود عليه ولنفسه بما نظرَ، ومن عُمِيّ فلم ينظر فيها، وصدَف عنها حتى جهِل فعلى نفسه؛ لأنّ عقاب تفريطه لازم له وحالُّ به، فسمّي العلم والتبيين إبصارًا مجازًا وسُمّي الجَهْل عَمىً توسّعًا )) [3] .

وظاهر عبارته الأخيرة يوحي بوجود فرق بين المجاز والتوسّع، ولكنّ الطوسي لم يقصد ذلك، وإنّما جاء كلامه على سبيل التفصيل في القول، فالمجاز هو وسيلة التوسّع في اللغة؛ لأنّ ما حدث من نقل الدلالة في لفظ (أبصر) قد حدث في لفظ (عَميَ) ذلك أنّ اللفظين يدلاّن على طاقة حسية، ف (أبصرَ) أصله: رأى المُبصَرات بعينه وأدركها على وجه الحقيقة [4] ، وعَمِيَ أصلهُ: فقد القدرة على رؤية المُبصَرات لعاهة في عينيه [5] .

وشأن من استدلّ بالبراهين التي قدّمها الله على يد أنبيائه وكُتبه لتدلّ على وحدانيته وربوبيته، كشأن من يسير مُبصِرًا طريقه الصحيح. أمّا من عَزفَ عن تلك البراهين وامتنع من الأخذ بها والاعتبار منها فشأنه شأن الأعمى الذي لايُبصِر طريقه يسير على غير هدىً.

(1) دلالة الألفاظ 162.

(2) دلالة الألفاظ162، ودور الكلمة في اللغة 186، وفقه اللغة وخصائص العربية 222.

(3) التبيان 4/ 227.

(4) ينظر (بصر) : الصحاح 2/ 591، ولسان العرب 4/ 64، والمعجم الوسيط 1/ 59.

(5) ينظر (عمي) "مقاييس اللغة 4/ 132، ولسان العرب 15/ 95، والمعجم الوسيط 2/ 635."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت