الله بضياء الشمس، فإذا سَلخَ منه ذلك الضياء وأُزيل عنه عاد مُظلمًا، وكأنّ الليل جسمٌ والنهار قشرتُه [1] . وقد عدَلَ التعبير عن لفظ (نُخرِج) إلى لفظ (سَلَخ) ؛ تجسيدًا لقدرة الخالق وعظمة تدبيره، وتصويرًا عِلميًا دقيقًا للحقيقة الكونية [2]
ج ـ التموّج: قال تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] والمُراد ب (يموج) كما يرى الطوسي: (( بأنّهم يموجون في بناء السدِّ ويخوضون فيه متعجِّبين من السدِّ ... فكانت حالة هؤلاء كما الماء الذي يتموَّج لاضطراب أمواجه ) ) [3] .
والتموُّج لغة: هو اضطراب الماء بعضه ببعض، حيث انتقلت دلالته من وصف الماء إلى وصف الناس ـ على سبيل الكناية ـ حيث يرمز التموّج إلى الاضطراب؛ إذ يُقال: ماجَ القوم: إذا اختلفت أمورُهم واضطربَت، وماجَ الناس في الفتنة، وماجَت الفتنة وكل شيء اضطربَ فقد ماجَ [4] .
(3) الانتقال من مجال حسي إلى مجال معنوي:
بعد تطوّر الحياة ورُقيّها ازداد العقل رقيًا، وبدأ التفكير البشري يتطلّع إلى الغيبيات والمعقولات والمجرّدات، ولأجل تسميتها، نقلت أسماء المحسوسات إلى المعنويات. وكلّما ارتقى الإنسان جنح إلى استخراج الدلالات المجرّدة وتوليدها والاعتماد عليها في الاستعمال؛ ولذلك فإنّ الألفاظ المستعملة هنا تنتقل دلالتها من مجالها الحسي الأصلي إلى المجال الذهني الجديد [5] ، وهو أمر طبيعي؛ لأنّ اللغة تنتقل (( من الإشارة إلى العبارة ومن التجسيد إلى التجريد ) ) [6] ، والتجريد هو (( قيام الأسماء أو الصفات مقام مُسمّياتها ومَوصوفاتها، أو حلول الألفاظ محلّ الأشياء التي تدلّ عليها ) ) [7] ،إذ يصبح الإنسان قادرًا على الفصل بين الإشارة اللغوية والمادة والموقف، فيشير بالكلمة إلى الأشياء والأحداث سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، على حين تبقى إشارات الحيوان مشخّصة وملتصقة بالواقعة الطبيعية [8] .
(1) ينظر: تلخيص البيان 274، ومجمع البيان 4/ 424.
(2) المعاني في ضوء أساليب القرآن: عبد الفتاح لاشين 168.
(3) التبيان 7/ 94.
(4) ينظر: (موج) مقاييس اللغة 5/ 284، ولسان العرب 2/ 37، والمعجم الوسيط 2/ 898
(5) ينظر دلالة الألفاظ 162، وكلام العرب 42، وعلم الدلالة العربي 289.
(6) المباحث اللغوية في العراق 104.
(7) اللغة والفكر: نوري جعفر 59.
(8) الأصوات والإشارات 59.