الصفحة 158 من 337

أ ـ الوجه: وقف الطوسي عند قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ ِلَّلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ ربِّهِ ... } [البقرة: 112] وفسّر المراد بلفظ (وجهه) هنا فقال: (( وإنما جاز أسلَمَ وجهه لله على معنى أسلَمَ نفسه لله، على مجرى كلام العرب في استعمال وجه الشيء وهم يريدون نفس الشيء، إلا أنّهم ذكروه باللفظ الأشرف ودلّوا عليه به ) ) [1] . فالمُراد إذن التوجّه لله لذلك قيل: وجه الكلام، أي أوّله، وقيل: وجه الرأي أي الذي يبدو منه ويعرف به، والوجه من كلّ شيء أوّل ما يبدو فيظهر بظهور ما بعده [2] .

والوجه القصد بالفعل، ومنه قولنا في الصلاة: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض: أي قصَدتُ قَصْدي بصلاتي وعَملي. ويعبّر الوجه عن الذات الإلهية [3] ومنه قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص:88] وقوله {كُلُّ مَنْ عَلِيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن:26ـ27] .

والانتقال هنا على سبيل المجاز حيث العلاقة بين الدلالتين علاقة الجزء بالكل، فالوجه جزء من الإنسان، ويعبّر به عن الإنسان نفسه، وعن نواياه ومقاصده.

ب ـ السَلْخ: قال تعالى: {وَءَ ايَةٌ لَّهُمُ الليْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ الْنَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُّظْلِمُونَ} [يس:37] وفسّر الطوسي هذا القول بأنّهم (( داخلون في الظلمة لاضياء لهم فيه بالشمس، فالسَلْخ إخراج الشيء من لباسه، ومنه إخراج الحيوان من جلده، يقال سَلَخَ يسْلُخُ سَلْخًا فهو سالِخ، ومنه قوله: {فَانسَلَخَ مِنْهَا} [4] أي: فخرج منها خروج الشيء ممّالابَسَه ) ) [5] 5).

و (السَلْخ) لغة: إخراج الشيء ممّا يلابسُه وممّا التحمَ به، ومنه إخراج الحيوان من جلده [6] . وجاء هذا اللفظة في الآية السابقة على سبيل الاستعارة، وهي من بدائع الاستعارات الإسلامية التي وقف عليها أكثر البلاغيين والمفسرين، إذ شبّه سبحانه خروج النهار من مكان الليل بخروج المَسْلوخ من جلده، وهي استعارة مكنية [7] ؛لأنّ المشبّه به محذوف ودلّ عليه بإحدى لوازمه، وهي السَلْخ، وبدأ التعبير القرآني بالليل لأنّه الأصل، حيث هواء الكون يبقى مُظلمًا حتى يُضيؤه

(1) التبيان 413/ 17.

(2) ينظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن: الشريف الرضي 118، ومجمع البيان 1/ 86.

(3) آمالي المرتضى 1/ 590 ـ 592.

(4) الأعراف: 175.

(5) التبيان 8/ 458 ـ 459.

(6) ينظر (سلخ) : العين 4/ 198، ومقاييس اللغة 3/ 94.

(7) مفتاح العلوم 181، وينظر: علم البيان175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت