الصفحة 157 من 337

قد غَمَر وغطَّىمن كَثْرتِه ... )) [1] . فالذي يُبصَر تُدرِكه حاسّة البَصَر، فهو محسوس، والذي يُعلَم يُدرِكُه العقلُ فهو معنىً مجردٌ. والدَين معنىً مجردٌ، أمّا الغَمْر فيكون للمحسوس كالماء مثلًا.

(4) ما يظهرُ أثَرُه: قال: (( وإنّما قيل: سَكَتَ الغضَبُ وسَكتَ الحُزنُ على طريق المجاز إلا أنّه في شيء يَظهرُ أثَرهُ، فيكون بمنزلة الناطق به ) ) [2] .فالذي يظهر أثرُه ُهو المحسوس، وعلى هذا فالمعنوي لايَظهرُ أثَرهُ.

(5) المُتَصَوَّر في النَفْس، وهو المعنوي، ذكر ذلك في تعليله تشبيه ثِمار شَجَرة الزَّقوم برؤوس الشياطين، إذ قال: (( إنّ قُبْح صورة الشياطين مُتصوَّر في النفس، ولذلك يقولونَه لشيء يستقبِحونَه جدًا كأنّه شيطان ) ) [3] .

وتبعًا للوقفات الدلالية التي وقفها صاحب التبيان حول هذا الشكل من التغيّر الدلالي فقد جاء الانتقال في المعنى على ثلاثة مستويات:

1ـ الانتقال من مجال حسي إلى مجال حسي آخر.

2ـ الانتقال من مجال حسي إلى مجال معنوي.

3ـ الانتقال من مجال معنوي إلى مجال حسي.

وتعدّ هذه التغيرات مؤشِّرًا مهمًّا يفيد في معرفة الأحوال الاجتماعية للشعوب المختلفة ويُلقي الضوء على النواحي النفسية الخاصة بكلّ منها. [4]

(1) الانتقال من مجال حسي إلى مجال حسي آخر:

أصل دلالة الألفاظ باتفاق القدماء والمحدثين هو حسي، فبعد أن انتهى طور نشأة اللغة بالتواضع، بدأت مرحلة ثانية هي طور الانتقال بين المُسمّيات الحسية، إذ كان المجاز وسيلتها في ذلك الخروج من الجُمود والرَتابة، ممّا يمنح الألفاظ حيوية وفاعلية أكثر [5] .

فقد يحدث الانتقال بين المحسوسات بعضها مع بعض؛ لصلة بين الدلالتين المكانية أو الزمانية أو الجزئية. فهناك ألفاظ كثيرة لوحِظ تطوّرها في الدلالة، فانتقل كلّ منها من دلالته إلى دلالة أخرى تشترك معها في المكان والزمان أو التسبّب أو المجاورة أو علاقة الجزء بالكلّ والعكس [6] . ووسيلة هذا النوع من الانتقال الكناية والمجاز المرسل بكلّ علاقته، وقد ورد في تفسير التبيان قليلًا، ضمّ الأمثلة الآتية:

(2) التبيان 4/ 553.

(3) التبيان 8/ 502.

(4) علم اللغة بين التراث والمعاصرة 292.

(5) دلالة الألفاظ 161، وكلام العرب 41 ـ 42.

(6) دلالة الألفاظ 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت