ومثال جعله الحسي أصلًا للمعنوي قوله: (( والصَبرٌ مأخوذٌ من الصَبر المرِّ؛ لأنّه تجرّع مَرارة الحق بحَبْس النَفْس عن الخروج الى المُشْتَهى ) ) [1] أمّا جعله المعنوي أصلًا للحسي فمثاله جعله (الربّ) مشتقًا من التربية [2] ، وجعله الجانّ وهو الحيّة الصغيرة، مشتقًا من الاجتنان وهو الاستتار [3] ، والعكس في كلّ هذا هو الصحيح، فالتربية من ربَّ بمعنى اعتنى [4] ، والجانّ من جنَّ بمعنى استتر [5] .
وعلى الرغم من أنّ اضطراب الطوسي في تحديد الأصل اللغوي يعدّ مأخذًا علميًا عليه لكن هذا لايمنع من القول إنّه كان مُدرِكًا للجانب الدلالي في هذه المسألة، ومُدرِكًا تمامًا لأهمية تحديد الدلالة الأصلية للألفاظ؛ لأنّ هذا يُعين الدارس على فَهم مسيرة التطوّر والتغيّر التاريخي لها، ولذلك كان مولَعًا بالوقوف على خطوات التطوّر هذه في كثير من الألفاظ التي يفسّرها، فجاء تفسيره زاخرًا بالمعاني والدلالات اللغوية التي تغني القارئ عن الرجوع إلى المعجمات.
ويعبّر الطوسي عن الدلالتين الحسيّة والمعنوية بألفاظ وعبارات مختلفة، نوجزها بما يأتي:
(1) الأعْيان والأعْراض: قال: (( الإرْثُ ترْكُ الماضي للباقي ما يَصيرُ له بَعدهُ، وحقيقة ذلك في الأعيان التي يصحّ فيها الانتقال، وقد استُعمِل على وجه المجاز في الأعراض فقيل: العُلماء وَرَثة الأنبياء ... ) ) [6]
(2) ما يقعُ بهِ الإحساسُ ومالا يقعُ بهِ: قال في تشبيه الإيمان بالله بالعُروَة الوُثْقى بأنّه (( جرى مَجرى المَثَل لحُسْن البَيان بإخراج مالا يقع به الإحساس إلى ما يقع به ... ) ) [7] .
(3) ما يُبصَر وما يُعلَم: قال في تفسير لفظ (غَمَرات) في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّلِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ} [الأنعام:93] . بأنّ: (( كلّ من كان في شيء كثير يُقال له: غَمَر فلانًا ذلك، ويُقال: قد غَمَر فلان الدَين معناه كثُر، فصار فيما يُعلَم بمنزِلَة مايُبصَر،
(1) التبيان 6/ 81، وينظر 4/ 191 ـ 192، 267، 424.
(2) و (3) التبيان 1/ 32
(3) لسان العرب (ربب) 1/ 401.
(4) لسان العرب (جنن) 13/ 92ـ93.
(6) التبيان 1/ 482.
(7) التبيان2/ 313.
(8) التبيان 4/ 203.