أما مفهوم الدلالة في عُرف البلاغيين والنقاد، فقد كان لهُ مُحتواه المَعرفي الخاصّ، الذي يتّخذ من الأداة اللغويّة مُرتكزًا، ويقوم على أساس الترابط بين الشَكل والمَضمون أو الدالّ والمَدلول، فقد تكونت لديهم أهمّ المفاهيم الدَلالية التي أثّرت في صياغة العقل البياني العربي في علومه المَعرفية كافّة، ومَفادُها النظر إلى عُنصري الدَلالة (اللفظ والمعنى) كونهما كيانَين مُنفصلين يستقلّ كلّ واحد منهما عن الآخر، لكنّهما متلازمان في مسارٍ واحدٍ لتحقيق الاتّصال اللغويّ الفنيّ [1] .
وقد عُني أوائل البلاغيين بالبُعد الوظيفي للعَملية الدَلالية المُتمثّلة بتحقيق الإفهام والتوصيل بين المتكلّم والمتلقّي، من ذلك إشارات الجاحظ إلى البيان وأنواع الدَلالات الموصِلة إلى المعنى، وتفضيله الدَلالة اللفظية على غيرها لقُدرتها على الإيحاء والوصول إلى تحقيق الإفهام الجيّد [2] ، إذ يهتمّ بالغاية الدَلالية لا بالبِنية الفنيّة [3] .
والتفت إلى الجانب الفني في الدَلالة البلاغيون المتأخّرون، ولاسيّما عبد القاهر الجرجاني [4] (ت 471هـ) ، الذي ربَط المعنى بالنحو وعُني بالعَلاقات التركيبية بين الكلمات داخل الجملة والوحدة وبين الجمل في النصّ الواحد [5] . فالمعنى لديه نوعان [6] : المباشر الذي يُستَقى من الدَلالة النحويّة للتركيب، ومعنى المعنى غير المباشر الذي يُستَقى من الدَلالة البلاغيّة للتركيب، وسمّى الأوّل التفسير والثاني المفَسَّر [7] .
وأشار إلى أهميّة الألفاظ في الإيحاء بالدَلالة، من خلال ائتلاف معانيها مع معاني ما يُجاورها في التركيب، مُجرّدًا اللفظ من أية مزيةٍ خارج السياق، فبالتركيب تتمايَز الألفاظ ويوصَل إلى الدلالة [8] .
وظلّتْ المفاهيم الدَلالية التي أرسى قواعدها الجرجاني من الأسس الدلالية التي يرتكِز عليها التحليل اللغوي لدى النقاد، من ذلك ما ورد منها لدى حازم القرطاجني (ت684هـ) [9] ، إذ اعتمد
(1) بنية العقل العربي 41.
(2) البيان والتبيين 1/ 75، وينظر: بنية العقل العربي 28.
(3) التفكير البلاغي عند العرب: أسسه وتطوره إلى القرن السادس: حمادي حمود 162.
(4) ينظر تفصيل ذلك في منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث 160 ـ 165.
(5) دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني 55.
(6) المصدر نفسه 173.
(7) المصدر نفسه 289.
(8) المصدر نفسه 32، 170.
(9) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: حازم القرطاجني 14، 19، 20، 23، 24، وينظر: منهج البحث اللغوي بين
التراث وعلم اللغة الحديث 144 ـ 151.