إلى العقل. ويمكن القول إنّ هذه الدَلالة موجودة في القرآن الكريم وقبلَه في عصر ما قبل الإسلام؛ لأنّ القرآن خاطَبَ أهل ذلك العصر بلُغتهم، وجاءتْ ألفاظه على أصول لغة عصرهم.
ولابدّ قبل البدء بتحديد مفهوم الدلالة في التراث العربي من التفرقة بينه وبين مصطلح المعنى، فالدلالة هي مُحصِّل مجموع المعاني اللغويّة التي يتضمّنها اللفظ، وهي وسيلة الوصول إلى المعنى، فبها يومَأ إلى مفهوم اللفظ. أمّا المعنى فواحد من المفاهيم الدلالية التي يشير إليها اللفظ، لذا تعدّ الدلالة أوسع من المعنى [1] وأشمل.
وقد كشفت الدراسات اللغوية الحديثة كثيرًا من أصول علم الدلالة في ذَخائر التراث العربي الإسلامي، بخلافٍ يسيرٍ في فَهم حقيقة المصطلح وتحديده من (( فَرقٍ في المَدخَل أو في أسلوبِ معالجة اللغة ) ) [2] .
ولم يكن البحث الدلالي مُقتصرًا على اللغويين فحسب، بل تناوله بالدراسة علماء ومفكّرون من ميادين شتى، كالأصوليين والبلاغيين والفلاسفة والمناطقة والمفسّرين وعلماء النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرهم من العرب والهنود واليونان، إذ أَدْلى كلٌّ منهم دلوَه وكان له منهجُه الخاصّ في تناول الألفاظ ودَلالالتها [3] .
ولتعدّد هذه الطوائف الفكرية ومناهجها في الدراسة، نشأ الخلاف في تحديد الدلالة ومفاهيمها وطرائق دراستها، فضلًا عن أنّ شمول الدلالة وتداخلها بالعلوم الإنسانية كافّة قد أدّى إلى اختلاف مفاهيمها [4] ، ولكنّ هذا الخلاف يصُبُّ في مسارٍ واحدٍ؛ لأنّ المفهوم العام للدَلالة عند الجميع واحدٌ، غير أنّ كلّ طائفةٍ تتناولها بأسلوب خاصّ بها وتختلف عن غيرها بملاحظاتٍ واعتباراتٍ متباينةٍ.
وتعود بُذور البحث الدلالي القديم إلى اللغويين والنحويين بالدرجة الأولى وأقدمها في ذلك إشارات سيبويه (ت 180هـ) الدَلالية إلى عَلاقة الدال بالمدلول في (( باب اللفظ للمعاني ) ) [5] ، إذ أوْلى بِنية الكلمة عنايةً بالغةً تمكّنه من التفرقة الدلاليّة بين أصناف الألفاظ، وجسّدَ الأهميّة الكبرى للمعنى الذي هو أحد مُكوِّنات الدَلالة.
(1) الألسنية التوليدية والتحويلية (النظرية اللسانية) : ميشال زكريا 141.
(2) أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة: نايف خرما 95.
(3) مناهج البحث في اللغة: تمام حسان 240، وعلم اللغة بين التراث والمعاصرة: عاطف مدكور 233.
(4) نظرية الدلالة وتطبيقاتها: مطاع صفدي 43 (بحث) .
(5) الكتاب 1/ 24.