ثمّ تُصبح مصطلحات دعت الحاجة إليها في الإسلام. وبين الدلالتين علاقة واضحة، وتمثّل هذه الألفاظ أول باب من أبواب التجوّز في حياة اللغة بعد ظهور الإسلام، الأمر الذي يعكس الأثر الحي للدين الإسلامي في حياة اللغة العربية ودلالة ألفاظها [1] .
وقد عُني علماء العربية بالألفاظ الإسلامية وتناولوها في كتبهم المؤلّفة في التفسير والحديث. ومن أشهرهم ابن قتيبة في كتابيه (تفسير غريب القرآن) و (تفسير غريب الحديث)
إذ ذكر طائفة منها، ولذا يرجّح أن يكون هو واضع نواة هذا اللون من الدراسة، حيث أرسى اللبنة الأولى التي تأسست عليها دراسات اللغويين من بعده [2] .
وألّف فيها تأليفًا منفردًا أبو حاتم الرازي كتابه (الزينة في الكلمات الإسلامية) درس فيه طائفة منها، وبيّن أصولها اللغوية وصلتها بدلالتها الشرعية.
ومع أنّ علماءنا قد اتفقوا على وقوع الألفاظ العُرفية وأقرّوا بانتقالها إلى حقيقة عُرفية ثابتة بلا خلاف، فإنّهم قد اختلفوا في وقوع الألفاظ الإسلامية ومدى ثبوتها، وكيف حدثت عملية نقلها الى الشرع؟ وكانوا في هذا الخلاف على مذاهب عدّة نوجزها بما يأتي:
المذهب الأول: مذهب المعتزلة القائلين بوقوع الألفاظ الإسلامية ونقلها نقلًا كليًا من دلالتها الأصلية الى الشرعية [3] ؛ لأنّها لايُفهم منها عند إطلاقها إلا معانيها الجديدة التي جاء بها الشارع، ولا يخطر ببال السامع معناها الأول، كلفظ المؤمن والفاسق والكافر والصلاة والزكاة والصوم [4] .
المذهب الثاني: مذهب أبى بكر الباقلاني الأشعري الذي أنكر رأي المعتزلة، وقال بعدم انتقال الألفاظ الإسلامية بل هي باقية على أصل وضعها اللغوي؛ لأنّ الإسلام تصرّف بوضع الشروط وليس بتغيير الوضع، فالصلاة هي دعاء في اللغة والشرع [5] .
المذهب الثالث: هو مذهب العلماء المتوسّطين بين المذهبين السابقين، إذ جاء رأيهم ردًا على من سبقهم، ويقول أصحابه بوقوع النقل في دلالة الألفاظ الإسلامية، ولكنه ليس نقلًا كليًا، إذ تبقى المناسبة والصلة قائمة بين الدلالتين، ومن أشهر من قال به: الجويني [6] (ت 478هـ) والغزالي [7]
(1) دراسات في القرآن 36.
(2) المباحث اللغوية والنحوية عند ابن قتيبة 107.
(3) المعتمد في أصول الفقه 1/ 24، وينظر: البحث الدلالي عند المعتزلة 130 ـ 131.
(4) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 135، وإرشاد الفحول: الشوكاني 22.
(5) شرح اللمع في الأصول: الباقلاني 1/ 173.
(6) البرهان في أصول الفقه: الجويني 1/ 177 وينظر: البحث اللغوي عند الجويني: هادي الشجيري 35.
(7) المستصفى علم الأصول 1/ 330 ـ 331، وينظر: البحث الدلالي عند الغزالي 112.