يتميّز من العلم؛ لأنّ مع العلم القَطع )) [1] إذ يتضح أثر التحليل الفلسفي الذي لايتناول الأشياء كما هي أو كما تظهر للحواس، وإنّما يحلّلها على وفق ما يتصوّره الإنسان في فكره عن الأشياء والموجودات [2] ؛ لأنّ الدلالة الفلسفية تحتاج إلى صورة ذهنية تُستقى من الفكر أو الواقع المادي الذي تُمثل اللغة ظاهرته العقلية الكبرى [3] .
ثانيًا: الألفاظ الإسلامية:
يُعدّ الإسلام حدثًا مهمًا في تاريخ الإنسانية عامّة والأمة العربية خاصّة، فقد جاء بمفاهيم وقيم تتناسب والعقيدة الجديدة، وقدّم فكرًا إنسانيًا عظيمًا عبرّ عنه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكان القرآن الكريم مُعجزة الإسلام الكبرى الذي صار قدوة لكلّ خطيب وشاعر ومنشئ وأديب، ولذلك كلّه كان من الطبيعي أن يكون له أثر في العربية ولاسيّما في دلالات ألفاظها، يقول ابن فارس: (( كانت العرب في جاهليتها على إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلمّا جاء الله جلّ ثناؤه بالإسلام حالت أحوال ونُسخت ديانات وأُبطلت أمور، ونُقلت من اللغة ألفاظ من مَواضع إلى مَواضع أُخر بزيادات زيدت، وشرائع شُرّعت، وشرائط شًرطت، فعفى الآخِرُ الأوّل ) ) [4] .
ويمتلك الشرع ولاية التصرف في الألفاظ كما يمتلكها أهل اللغة، وربّما كانت هيمنته أقوى من هيمنة اللغة نفسها؛ (( لأنّ الشرع إذا أوجب ذلك كان في بابه أقوى مما تقتضيه اللغة ) ) [5] ، وإنّما جاز انتقال الألفاظ اللغوية إلى الدلالة الإسلامية؛ لأنّ المعاني متغيّرة والألفاظ ثابتة [6] ؛ ولذلك فهي تنتقل من أصلها اللغوي إلي ميادين وعلوم عدّة، وبعد أن يشيع استعمالها في الوضع الشرعي أو العلمي الجديد تصبح مستقرة على دلالتها المستحدَثة حتى يُنسى أصلها الأوّل، فتصير كالحقيقة، ولذلك تسمى (الحقيقة المجازية) ، وتعرّف بأنّها (( اللفظة التي يستفاد من جهة الشرع وضعها لمعنى غير ما كانت تدلّ عليه في أصل وضعها اللغوي ) ) [7] ، وقد لا تخرج عن ذلك الأصل بل تبقى مرتبطة به، ولكلّ لفظة منها اسمان: لغوي وشرعي [8] .
وتُعدّ عملية توليد الألفاظ الإسلامية من وسائل نموّ اللغة، ومن مظاهر تغيّرها الدلالي على سبيل التوسّع في القول والتخصيص في الدلالة؛ ذلك أنّ لهذه الألفاظ دلالات أصلية مُستقاة من المعجم،
(1) التبيان 4/ 385.
(2) معاني الكينونة والفلسفة التحليلية: سامي أدهم (بحث) 58.
(3) البحث الدلالي عند ابن سينا 130 ـ 131.
(4) الصاحبي 78.
(5) المغني في أبواب التوحيد والعدل 5/ 192.
(6) المصدر نفسه 5/ 172 ـ 173.
(7) مفتاح العلوم: السكاكي 170، والطراز المتضمن لأسرار البلاغة 1/ 52، والتلخيص في علوم البلاغة:
القزويني 292، وينظر بحوث لغوية 73، ومعجم المصطلحات البلاغية 2/ 455.
(8) الصاحبي 86.