ومن أمثلة مايقصد فيه إلى الاستدلال معنويًا تفسيره قوله تعالى: {عَلَّمَ الإِنسنَ مَا لَم يَعْلَم} [العلق:5] ، إذ استدلّ من الآية على (( امتنان من الله تعالى على خلقه، بأن علّمهم ما لم يكونوا عالمين به، إمّا بخلق العلوم في قلوبهم من الضروريات أو بنصب الأدلّة لهم على الوصول إليها فيما لم يعلموه ضرورةً، وذلك من أعظم نِعَم الله تعالى على خلقه، وفي ذلك دلالة على أنّه تعالى عالِم؛ لأنّ العِلم لا يقع إلاّ من عالِم ) ) [1] .
3ـ البرهان: هو اسم مشتق من الفعل بَرْهَنَ، أصلهُ في اللغة: بَرهنَ يُبرهنُ بَرهنةً: إذا أقام الحجّة القاطعة، فالبرهان الحجّة والدليل [2] .
وقد ذكره الطوسي وأراد به جملة من المعاني المفسّرة له، قال: (( البرهان والحجّة والدلالة والبيان بمعنى واحد، وهو ما أمكن الاستدلال به على ما هو دلالةٌ عليه، مع قصد فاعلهُ إلى ذلك ) ) [3] .
وفرّق بينهما في موضع آخر نقلًا عن علي بن عيسى الرمّاني وهو أنّ: (( البيان إظهار المعنى في نفسه بمثل إظهار نقيضه، والبرهان إظهار صحتهُ بما يستحيل في نقيضه، كالبيان عن معنى قِدَمِ الأجسام ومعنى حدوثها. فالبرهان يشهد بصحة حدوثها وفساد قِدمها ) ) [4] . وقال أيضًا: (( البرهان إظهار صحة المعنى وفساد نقيضه ... ) ) [5] وهذا، يعني أن البرهان لديه هوالحجّة التي يقدمها المتكلم أو الكاتب لإثبات أمر أو حقيقة ونفي ما يناقضها أو يخالفها، ويعرّفهُ الفلاسفة بأنّه (( قياس يقيني ) ) [6] أو هو (( القياس المؤلف من اليقينات سواء كانت إبتداء وهي الضروريات أو بواسطة وهي النظريات ... ) ) [7] . والقياس: (( مؤلَف من قضايا متى سَلِمت، لزم عنه لذاته قول آخر ) ) [8] ويُعدّ البرهان من الأسس المنطقية التي يستند إليها الاستدلال، فهو وسيلة للوصول إلى المدلول المراد إثباتهُ [9] .
(1) التبيان10/ 390.
(2) لسان العرب (برهن) 13/ 51
(3) التبيان 1/ 411.
(4) التبيان 5/ 311.
(5) التبيان 4/ 390.
(6) المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين (ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب) : الآمدي 340
(7) المعجم الفلسفي (مراد) 31.
(8) المنطق: محمد رضا المظفر 219.
(9) ينظر: المصدر نفسه 190 ـ 250.