وقد استعمل جملة من الألفاظ في ميدان هذين العلمين حملت معنىً اصطلاحيًا جديدًا، فنُسي أصلها الأوّل، واختصّت بالدلالتين المنطقية والفلسفية، إذ مرَّ المصطلح الفلسفي بمرحلتين هامّتين هما: [1]
الأولى: تحديد المصطلح والتواضع عليه، أو التعارف على الأخذ به.
والثانية: انتشار ذلك المصطلح في الدراسات الفلسفية التي ازدهرت في القرن الرابع للهجرة.
وقد وردت في التبيان ألفاظ فلسفية ومنطقية كثيرة تنبئ عن تأثّر الطوسي بهذين العلمين، بما يدلّ على سعة اطلاعه وتنوّع ثقافته، الأمر الذي جعله محيطًا باصطلاحات علوم عصره والعصور لتي سبقته، ومن أهمّ هذه الألفاظ:
1ـ الإرادة: وهو مصدر الفعل (أراد) ، أصله في اللغة: أحبَّ، فأراد الشيء إرادة ورِيْدَة: أحبَّه وعُني به وطلبهُ [2] .
وقد عُني الطوسي بمفهوم الإرادة، فذكره وحدّد أبعاده في أكثر من موضع، وكان حريصًا على تحقيق معناه الدقيق، لذا فرّق بينه وبين المحبّة بعد أن عدّهما من جنس واحد، فقال: (( والمحبّة هي الإرادة إلا أنّها تُضاف إلى المراد تارة، وإلى متعلّق بالمراد أخرى، نحو أن تقول: أحِبُّ زيدًا، وأحِبُّ إكرامَ زيد، ولاتقول في الإرادة ذلك؛ لأنّك تقول أريد إكرامَ زيد ... ولاتقول: أريدُ زيدًا ... ) ) [3] 3). فالمحبّة تكون للشخص نفسه، وللأمورالمتعلّقة به، أمّا الإرادة فلا تكون إلا للمتعلّقات فقط.
ولهذا فإنّ المحبّة تستدعي في جملتها تقدير محذوف وليس كذلك الإرادة؛ لأنّك (( إذا قلت: أحِب زيدًا، معناه أريدُ نفعَه أو مَدحه، وإذا أحبَّ الله تعالى عبدًا فمعناه أنّه يريد ثوابه .. وإذا قال: أحِبُّ الله معناه: أريد طاعتَه وإتباع أوامره، ولايُقال: أريد زيدًا ولا أريد الله .. ) ) [4] 4).
وهو يشترط في المحبّة الرغبة الصادقة المُنافية للكراهة، على حين لا يشترطها في الإرادة، لذا فإنّ الإنسان قد يفعل ما يُكرَه عليه، قال: (( وإنّما قلنا: إنّها من جنس الإرادة، أي المحبّة؛ لأنّ الكراهة تنافيها ولا يصحُّ اجتماعهما؛ ولأنّها تتعلّق بما يصحُّ حدوثه لا كالإرادة، فلا يصح أن يكون محبًّا للإيمان كارهًا له، كما بينّا في أن يكون مُريدًا له وكارهًا ) ) [5] 5). وفرّق الشيخ بين (الرِضا) و (الإرادة) على أساس زمان الحدث؛ إذ (( الرِضا هو الإرادة إلا أنّها لاتسمّى بذلك إلا إذا وقع مُرادها ولم يتعقّبها كراهية، فتسمّى حينئذ رِضا. فأمّا الإرادة لما يقع في الحال أو فيما يُفعل بعد، فلا تسمّى
(1) المصطلح الفلسفي عند العرب: عبد الأمير الأعسم 13.
(2) ينظر: (ريد) : لسان العرب 3/ 191.
(3) التبيان 2/ 438.
(4) التبيان 2/ 62.
(5) التبيان 2/ 144.