الصفحة 122 من 337

الحسي إلي المجال المعنوي على سبيل المجاز، وذكر الطوسي أنّ هذا المجاز لكثرة شُيوعه صار حقيقة عُرفيّة، حتى أنّ هذا اللفظ لا يدلّ في سياق هذه الآية إلاّ على الكفر والعصيان والخروج عن طاعة الله. ورجّحت هذه الدلالة القرائن المحيطة بها التي لا تحتمل الحقيقة. وهذا يعني أنّ الدلالة الحقيقيّة والدلالة العرفيّة المجازية يجوز أن تُستعملان معًا في التعبير عن المعاني، غير أنّ لكلٍّ منهما سياقها الخاصّ بها.

ونراه يؤكّد أهميّة الاستعمال والعُرف اللغوي في إسقاط اسم المجاز عن الألفاظ كالذي في قوله تعالى {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [النساء: 57] إذ قدّر فيها محذوفًا، لأنّ التقدير تجري من تحت أشجارها وثمارها مياه الأنهار، غير أنّه بعُرف الاستعمال سقطَ عنه اسم مجاز، كما سقط في قولهم: هذا شعر امرئ القيس، وإنّ المراد أنّه حكاية عنه [1] .

ويقسّم المحدثون الألفاظ العرفية على قسمين.

(1) العامّة: وهي الألفاظ التي تغيّرت بعُرف الاستعمال اللغوي، ولكنّها لم تنشأ عن تواطؤ واتفاق الناس، وإنّما تكلّم بها بعضهم فشاع استعمالها وارتضاها المجتمع.

(2) الخاصّة: هي الألفاظ التي جرت على ألسنة العلماء أو الصناعيين أو أصحاب المهن، ولكلّ منها (( اسمان لغويّ وصناعيّ ) ) [2] 4).

ومن أمثلتها المصطلحات النحويّة والصرفيّة واللغويّة والفقهيّة والفلسفيّة والمنطقيّة وسائر المصطلحات العلميّة الأخرى، وشبيه بذلك ما تقوم به لجان المجامع العلمية في الوقت الحاضر من الاتفاق على مصطلحات حديثة تواكب تطوّرات العصر ومستلزمات المجتمع.

وسيقف البحث إن شاء الله عند نماذج لهذين القسمين في (تفسير التبيان) لأجل الكشف عن مقولات الطوسي الدلاليّة ومدى عمقها في الدقة والتنظير.

(1) الألفاظ العُرفية العامّة:

وهي لديه كثيرة اقتصر البحث على نماذج منها دفعًا للإطالة:

(1) التبيان 1/ 108، وينظر مجمع البيان 5/ 134.

(2) بحوث لغوية: أحمد مطلوب71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت