يُضاف إلى كلامه بضرب من العُرف دون حقيقة الوضع. ومن قال بهذا قال: هم الذين سمعوا كلام الله الذي أوحى الله إلى موسى، وقال قوم: هو التوراة التي علّمها علماء اليهود )) [1] .وحقيقة الوضع لديه هي المعنى الوضعي أو الأصلي للفظ.
وجاءت عبارة (كلام الله) في القرآن الكريم على وجوه [2] :
أولها: الكلام المباشر من غير وحي الذي كلّم به موسى (عليه السلام) [3] .
والثاني: الوحي الذي أوحى به إلى نبيّه محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وهو القرآن [4] ،
والثالث: علم الله وعجائبه [5] .
والراجح لدى أغلب المفسّرين أنّ المُراد بكلام الله هو كتابه الذي أنزله على اليهود وهو التوراة [6] .وذلك لاستبعاد سماعهم كلام الله تعالى على وجه الحقيقة، فضلًا عن أنّ هذه العبارة وردت في مفهوم الإسلام دالة على كتاب الله العظيم المنزّل على نبيه المصطفى محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام.
ونجد الطوسي في مواضع يفرّق بين الألفاظ العُرفيّة والمجاز، إذ يستبعد وجود المجاز من عددٍ من الآيات ويحمل الكلام على أنّه حقيقة عرفيّة، كالذي في قوله تعالى {: َفإن زَلَلْتُم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:209] ، إذ فسّر الآية بقوله (( ومعنى الآية فإن زَللتُم بمعنى: تنحّيْتُم عن القصد والشرائع وتركتُم ما أنتم عليه من الدين .. ) )، ثم بيّن أنّ: (زلّ) في الآية مجاز تشبيهًا بمن زلّ عن قصد الطريق، وحقيقتهُ عصَيْتم الله في ما أمركم به أو نهاكم عنه، ثم رجّح أن يكون حقيقة عُرفية فقال: (( والأوْلى أن يكون ذلك حقيقة في العُرف ) ) [7] .
والمجاز: هو خروج اللفظ عمّا وضع له في أصل اللغة، فإذا نُقل من مدلوله الأصلي إلي مدلول آخر بالاستعمال والتعارف بين الناس، وشاع واستقر بينهم بالمدلول الجديد صار حقيقة عُرفية [8] .
و (زلّ) أصله في اللغة: زلقَ، وزلّ عن مكانه [9] ، ثم استُعمل على سبيل المجاز في الرأي الخاطئ، وفي الميل عن شرائع الإسلام، والخروج عن طاعة الله [10] . إذ انتقلت دَلالته من الأصل
(1) التبيان 1/ 221، 6/ 270.
(2) ينظر: الوجوه والنظائر في القرآن الكريم: هارون بن موسى 305 ـ 306، وكشف السرائر عن الوجوه
والنظائر: ابن العماد 289.
(3) ينظر: النساء: 64.
(4) التوبة: 6، والفتح:15.
(5) ينظر: الكهف:109، ولقمان: 27.
(6) ينظر: جواهر الحسان 1/ 80، والكشاف 1/ 291، ومجمع البيان 1/ 317.
(7) التبيان 2/ 187، وينظر معاني القرآن وإعرابه 1/ 271، وجواهر الحسان 1/ 159 ـ 160،
ومجمع البيان 2/ 177 ـ178.
(8) الطراز المتضمن لأسرار البلاغة 1/ 52.
(9) ينظر: (زلل) مقاييس اللغة، 3/ 4، ولسان العرب 13/ 325، وإصلاح الوجوه والنظائر: الدامغاني 219.
(10) المعجم الصافي 231.