الصفحة 120 من 337

(2) أن يصير الاسم شائعًا في غير ما وُضِع له أولًا، أي فيما هو مَجاز فيه، كلفظ (الغائط) الموضوع ابتداءً للمطمئنّ من الأرض، فصار أصل الوضع منسيًّا بحكم المجاورة، ودلّت الكلمة على قضاء الحاجة حيث (( يشتهر المجاز بحيث يكون استعمال الحقيقة منكرًا ) ) [1] ؛ ذلك لأنّ المجاز متى استقر في البيئة مدلوله وتحدّد معناه عاد إلى ما كان عليه أولًا في تسميته بالحقيقة مقيّدة بعرف هذه البيئة وتواضعها، إذ يسمّى المَجاز حينئذ حقيقة عُرفيّة [2] ، وقد يُسمّى (( المجاز المنقول ) ) [3] .

وللاستعمال أثرٌ بالغ في تخصيص الألفاظ، إذ يزدادُ معنى الكلمة تغيّرًا كلما ازداد استعمالها؛ ذلك لأنّ الذهن يوجّه في كل استعمال إلى اتجاهات جديدة توحي بمعانٍ جديدة [4] ، ولذا ينشأ ما يُسمّى (التأقلُم: Polysemie ) الذي هو: (( قدرة الكلمات على اتخاذ دلالات متنوعة تبعًا للاستعمالات المختلفة التي تستعمل فيها، وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات ) ) [5] .

رأي الطوسي:

عُني الشيخ بالألفاظ العُرفية عنايةً بالغةً، ولم يترك فرصة إلا وأشار إليها مفسّرًا ومحلّلًا دلاليًا، واستعمل ألفاظ وعبارات مختلفة في تسميتها والتعبير عنها، من ذلك: (حقيقة العُرف) [6] و (تخصّص في العرف) [7] و (كثُر حتى صارَ .. ) [8] و (صارَعَلَمًا) [9] ، و (في عُرف الناس) [10] 10).

وكان من اهتمامه بهذه الألفاظ حرصه على التمييز بين معانيها ومعاني غيرها من ألفاظ اللغة. إذ فرّق بين المعنى الأصلي أو (الوَضعي) وبين المعنى (العُرفي) الذي تعارف عليه الناس. والمعنى (الوَضعي) هو المعنى الذي استُعمل فيه اللفظ في أصل وضعه اللغوي ولم يتجاوزه، ومن ذلك وقوفه عند قوله تعالى: {أفَتَطَْمعُونَ أن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرُِّفونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:75] .إذ بيّن أنّ عبارة (كلام الله) لا يُراد بها تكلّمهُ على وجه الحقيقة، وسماع اليهود ذلك منه، كما يُسمع الكلام من أفواه البشر، وإنّما المراد أنهم (( سمعوا ما

(1) الطراز المتضمن لأسرار البلاغة: علي بن حمزة العلوي 1/ 52.

(2) دراسات في القرآن 29.

(3) المجاز وأثره في الدرس اللغوي: محمد بدري عبد الجليل 119.

(4) اللغة 254.

(5) المصدر نفسه.

(6) التبيان 5/ 58، 45.

(7) التبيان 2/ 187.

(8) االتبيان 2/ 45، 3/ 305.

(9) التبيان 1/ 221، 6/ 270.

(10) التبيان 1/ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت