الصفحة 119 من 337

وقد كان للطوسي اهتمام بالغ بهذه الظاهرة، إذ كان يقف عند الألفاظ ليبيّن أصولها اللغوية وتطوّرها الدلالي وصولًا إلى ما انتهت إليه من معنىً متداولٍ ومستقرٍ، وكان حريصًا على تأصيل الألفاظ والربط بين دلالتيها القديمة والجديدة، إذ جعل المعاني الجديدة بشكل أو بآخر ذات صلة وثيقة بالمعنى القديم، مما يوحي بعلميّته ودقة معرفته بخصائص اللغة العربية ومعانيها وسيرة تطوّرها وسعة اطلاعه على أصول شتى في هذا الميدان.

وقد اقتضت منهجية البحث أن تقسّم الألفاظ التي وقف عندها الطوسي على قسمين (الألفاظ العُرفية) التي خُصِّصت دلالتها بعُرف المجتمع والاستعمال اللغوي، و (الألفاظ الإسلامية) التي خُصِّصت دلالتها بمفهوم الشريعة والدين. ولا يخرج التخصيص عن هذين النوعين من الألفاظ، فالعُرف اللغوي والدين الإسلامي هما أكبر قوّتين مؤثّرتين في تغيير دلالة الألفاظ من العامّ إلى الخاصّ.

أولًا: الألفاظ العُرفية:

وهي الألفاظ المنقولة من بابها الأصلي بعرف الاستعمال [1] ،الذي هو العُرف القولي والاجتماعي الذي يُضفي أمرًا دلاليًا جديدًا على عدد من الحقائق اللغوية امتدادًا لمعانيها في أصل اللغة لتكون دالّة على معنىً مخصوص [2] 2)، إذ إنّ للشيوع والتعارف من قوّة الأثر

ما يضاهي الأصل أحيانًا، ولا يقتصر ذلك على اللغة فحسب، وإنّما هو يتجاوزها إلى شتى ضروب الحياة المختلفة [3] .

وتسمى الألفاظ عُرفية باعتبارين [4] :

(1) أن يوضع الاسم لمعنىً عام، ثمّ يُخصِّص عُرف الاستعمال من أهل اللغة ذلك الاسم ببعض مُسمّياته، كاختصاص الدابّة بذوات الأربع مع أنّ الوضع لكلّ مايدبّ، واختصاص اسم المتكلّم بالعالم بعلم الكلام مع أنّ كل قائل أو متلفّظ متكلّم.

(1) الفروق في اللغة 57، والإحكام في أصول الأحكام 1/ 21.

(2) البحث اللغوي عند فخر الدين الرازي 50.

(3) التصور اللغوي عند الأصوليين 63.

(4) المستصفى من علم الأصول 1/ 325 ـ 326، وينظر التصور اللغوي عند الأصوليين 64، والبحث الدلالي

عند المعتزلة 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت