وبيّن أنّ تفسيره لم يقتصِر على جانبٍ واحدٍ من جوانب التفسير، بل كان شاملًا جامعًا، وليس مثل الفرّاء (ت207هـ) والزجّاج (ت311هـ) ، اللذين أفرَغا وُسعَهما فيما يتعلّق بالإعراب والتصريف، ومثل أبي علي الجبّائي [1] (ت303هـ) الذي استكثر في تفسيره من علم الكلام فأدخلَ فيه ما لايليق به [2] .
ولم يغفَل ذكر التفاسير التي يَراها جيّدة، مثل تفسيري أبي مسلم الأصفهاني (ت322هـ) وعلي بن عيسى الرمّاني (ت384هـ) ، اللذين سلكا في مؤلّفيهما مَسلكًا جميلًا مُقتصدًا. وبعد كلّ ذلك أشار إلى أنّه قد شرَع في تأليف تفسيرِه على وجه الإيجاز والاختصار لكلِّ فنٍ من فنونه فلا يطيل كثيرًا ولا يختصر مقصّرًا [3] .
وأورد السبب الذي دعاه إلى تأليف كتابه إذ سمع جماعةً (( يرغبون في كتابٍ مُقتصدٍ يجتمعُ على جميع فنون علم القرآن من القراءة والمعاني والإعراب والكلام عن المتشابه والجواب عن مطاعن المُلحدين فيه وأنواع المبطلين كالمُجبّرة والمُشبّهة والمُجسّمة وغيرهم ... ) ) [4] ، وكأنّه بذلك يُلخّص الأبواب التي اعتمد عليها في تفسيره.
والتبيان من التفاسير التي عُنيت بالدرس النحوي عنايةً فائقةً حتى أنّه يعدّ مصدرًا مهمًّا من مصادر النحو عامّة والمذهب الكوفي خاصّة. وقد أشار إلى أهميّة هذا التفسير كثير من علماء العربية من أمثال الصفدي [5] (ت764 هـ) ، تاج الدين السبكي [6] (ت771هـ) ،وابن حجر العسقلاني [7] 8) (ت852هـ) ، وابن تغري بردي [8] 9) (ت 874هـ) ، وجلال الدين السيوطي [9] 10) (ت911هـ) .
واعتمدت بعض التفاسير على (التبيان) ، ولاسيّما مجمع البيان للطبرسي (ت548هـ) ، الذي استقى منه جُلّ مادته وصرّح بذلك في مقدّمته وأشار إلى أنّ التبيان هو (( الكتاب الذي يُقتبَس منه ضِياء الحقّ، ويَلوح عليه رَواء الصِدق، وقد تضمّن من المعاني، الأسرار البديعة واحتضن من الألفاظ، اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القُدوة أستضيء بأنواره وأطأ مواقع آثاره ) ) [10] . فضلًا عمّا ورد متناثرًا في التفاسير الأخرى.
(1) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن أبي السكن الجبّائي، رأس المعتزلة وشيخهم وكبيرهم، ينظر طبقات
المفسرين للداودي2/ 189.
(2) التبيان 1/ 1.
(3) التبيان 1/ 2.
(4) التبيان 1/ 2.
(5) الوافي بالوفيات 2/ 349.
(6) طبقات الشافعية الكبرى 4/ 126.
(7) لسان الميزان 5/ 135.
(8) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 5/ 82.
(9) طبقات المفسرين 29.
(10) مجمع البيان 1/ 20.