ونظرًا لأهمية الاستعمال في التغيّر الدلالي، فقد وجدنا علماء اللغة في دراساتهم المتنوّعة يتوخّون الوقوف على تغيّر دلالة الألفاظ وتطوّرها باسترجاع التاريخ الدلالي للفظ في الوضع اللغوي، والوضع العُرفي، والاستعمال؛ لأنّ هذا يمنح الدارس ثراءً وفهمًا في الوقوف على الصلة المعنوية بين الأصل والفرع، ممّا لو دَرس اللفظ مُنقطعًا عن جذوره التاريخية.
وتزداد هذه الأهمية بدراسة ألفاظ القرآن الكريم ومعانيها ودلالاتها؛ لأنّّ هذا يكشف لنا حقيقة هامّة، وهي أنّ هذا الكتاب العظيم قد حفظ لنا اللغة العربية من أيّ تدهور واندثار، حيث بقيت مرتبطة بأصولها التاريخية القديمة ومازالت تتطوّر وتتجدّد مواكبة الحياة الإسلامية الجديدة بما أكسبها من ألفاظ بدلالات إضافية تلائم تشريعات الدين الجديد.
ولذا وجدنا الطوسي ـ وهو من كبار الأصولين والمفسرين ـ يؤكّد الجانب التاريخي والاستعمال اللغوي في دراسة مفردات القرآن الكريم وذلك بالرجوع إلى أصولها الدلالية التي تولّدت عنها دلالة اللفظ، ثمّ تفسيرها وتحليلها وبيان كيفيّة استعمالها حقيقةً أو مجازًا [1] .
وكان يقف عند الأصل اللغوي للألفاظ، ثمّ يُبيّن ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ ما آل إليه اللفظ من معنىً جديد وما أصابه من تغيّر دلالي، وهو يحرص على تتبّع ذلك التغيّر الحاصل على مدى الزمن. وقد استعمل عبارات وألفاظ عدّة للإشارة إلى الوضع الأصلي للفظ منها: (الأصل) [2] ، و (أصل الباب) [3] ، و (أصله في اللغة) [4] . وكانت عبارة (أصل الباب) ذات مضمون دلالي؛ لأنّها تمثّل المعنى العام الذي يمكن أن يُستخلص من جميع الألفاظ المشتقة من ذلك الأصل، وجميع المعاني المشتقة منه والمتفرّعة عنه تدور حوله ولا تبتعد عنه كثيرًا، الأمر الذي يساعد على معرفة مسيرة التطوّر الدلالي لهذا الأصل والوقوف على آخر معانيه المستعملة.
ولفَهم المضمون الدَلالي لمصطلح (أصل الباب) والنظر فيما يماثله من مفاهيم قديمة وحديثة، لابدّ من الوقوف عند نماذج من تفسيرات الطوسي، مثال ذلك تفسيره لفظ (غَفَرَ) ، إذ قال: (( الغُفران: إنّما هو التغطية، يقال للسَحابة فوق السحاب: الغَفَّارة، وثوب ٌ ذو غُفُر: إذا كان له زِئْبَر يستُر قُبحَه، ويقال: المِغْفَر لتغطية العُنق، ويقال: غفَرتُ الشيء، إذا واريتُه والمِغْفَرة والغَفيرة بمعنى واحد، والمَغْفَرة منزلٌ من منازل القمر يسمّى بذلك لخفائه 000 وكلّ ما تفرّع من هذا الباب فهذا معناه ) ) [5] ، وظلّ مسترسلًا في ذكر الصيغ المشتقة من هذا اللفظ ومستشهدًا له بكلام العرب، فذكر
(1) التبيان 1/ 238، 2/ 503.
(2) التبيان 4/ 261، 356، 467، 5/ 11، 161، 6/ 197.
(3) التبيان 1/ 209، 233، 250، 315.
(4) التبيان 1/ 118، 193، 4/ 191، 192.
(5) التبيان 1/ 265.