وعُنوا كذلك بأسباب التغيّر الدلالي ومَظاهره وصُوره، وفسّره طائفة منهم بتفسيرات، فقيل هو: تغيير معاني الكلمات [1] 2)، وقيل: هو تغيير العلاقة بين الدال والمدلول [2] 3)، على حين أرجعه بعضهم إلى التداعيات الثانويّة الطارئة على مُسمّيات الأشياء، وتشمل تلك التداعيات: المعنى السياقي والقيمة الاجتماعيّة أو التعبيريّة، وهذه تؤثّر تدريجيًا في المعنى الأساس للألفاظ فتحلّ محلّهُ ويتحوّل المعنى حين ذاك عمّا كان عليه [3] 4).
وقد حصروا أسباب تغيّر المعنى بثلاثة أسس هي: لغويّة، وتاريخيّة، واجتماعيّة، تشمل: التطوّر الاجتماعي والثقافي، وظهور الحاجة والمشاعر العاطفيّة والنفسيّة، والاستعمال المجازي، وأسبابًا أخرى غيرها [4] 5).
وعلى الرغم من كثرة تلك الأسباب وتنوّعها إلا أنّه يمكن القول إنّ هناك عنصرين يقوم عليهما ذلك التغيّر هما: سلوك المتكلّم نفسه، أي كيفية تعامله مع اللغة، والاستعمال اللغوي الذي تمارسه البيئة الاجتماعية [5] 6).
فالاستعمال اللغوي هو أساس تغيّر الألفاظ دلاليًا، لأنّه هو الذي يحدّد معنى الألفاظ ومدى شيوع ذلك المعنى أو اندثاره، ذلك أنّ اللغة بلا استعمال تموت، فهو وسيلة إحيائها ونموّها، ولايكون هذا النمو إلاّ بالتطوّر والتغيّر.
وقد أدرك علماؤنا الأوائل أثر الاستعمال في عملية تطوّر معاني الألفاظ وتغيّرها وجعلوه حدًّا فاصلًا بين الحقيقة والمجاز، وبدأت الإشارة إليه على يد علماء الأصول، من أمثال أبي عبدالله البصري (تـ367 هـ) وأبي الحسين البصري [6] 7) (تـ436 هـ) ، والشيرازي [7] 8) (تـ476 هـ) ، والغزالي [8] 9)، وفخر الدين الرازي [9] 10).
وأشار إليه أيضًا طائفة من علماء اللغة والتفسير، ومنهم ابن جني [10] 1)، وأبو هلال العسكري [11] 2)، وعبد القاهر الجرجاني [12] 3).
(1) علم الدلالة (مختار) 235.
(2) دور الكلمة في اللغة 169.
(3) علم الدلالة: بيارغيرو 75.
(4) ينظر دلالة الألفاظ134 ـ 151، وعلم الدلالة (مختار) 237 ـ 242، وعلم اللغة بين التراث
والمعاصرة 284 ـ 287، وعلم اللغة بين القديم والحديث 212 ـ 225.
(5) اللغة 272.
(6) المعتمد في أصول الفقه: أبو الحسين البصري 1/ 34 ـ 35، وينظر البحث اللغوي عند الرازي 345.
(7) اللمع في أصول الفقه: أبو اسحاق الشيرازي 5، وينظر البحث اللغوي عند الرازي 345.
(8) المستصفى في علم الأصول: ا 1/ 341، وينظر البحث الدلالي عند الغزالي91 ـ 92.
(9) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز: الرازي54ـ55،وينظر المجاز في البلاغة العربية: مهدي صالح السامرائي 207.
(10) الخصائص 2/ 442.
(11) الصناعتين13.
(12) أسرار البلاغة 324.