الصفحة 101 من 337

آخرون القول باتفاقهما في المعنى، ومنهم ابن خالويه، إذ قال: (( لأَن يقال جميع كلام العرب أن يقال: فعلَ الشيء وأفعلَه غيره، مثل جلسَ زيدٌ وأجلسه غيره ) ) [1] ، وأنكر ابن درستويه مجيئهما بمعنى واحد في لَهجة واحدة، فلا يتحقق هذا إلا في لهجتين مختلفتين [2] .

ويرجّح المحدثون أنّ الاتفاق بين (فَعلَ وأَفعلَ) آتٍ من اختلاف اللهجات، فقبيلة ٌما تنطق ب (أفعَلَ) ، وقبيلةٌ أخرى تنطق ب (فَعَلَ) ثم جاء جامعوا المعجمات فضمّوا بعض هذه المعاني إلى بعض من غير أن ينسبوها إلى قبائلها، فاجتمعت معانٍ عّدة لكلّ صيغة [3] .

وكان الطوسي من اللذين يفرّقون بين هذين اللفظين وأشار إلى ذلك في أكثر من موضع من تفسيره ذاكرًا جملة من الدلالات لصيغة (أَفعلَ) ، منها:

أ ـ التعدية: وذلك حين فرّق بين (وَحى وأَوْحى) فقال: (( إنّ أَوْحى بمعنى جعلها على صفة كقولك جعلها مستقرة، ووحى جعل فيها معنى الصفة؛ لأنّ(أفعل) أصله التعدية )) [4] ، ومعنى كلامه أن (أَوْحى) يتحقّق به الإيحاء بفكرة ما أو أمر ما على وجه الحقيقة أي قولًا وفعلًا، على حين أن (وَحى) تدلّ على الإيحاء الفكري فقط، فلا يظهر على وجه التطبيق الفعلي وثبوت الصفة. وقد نسب أبو هلال العسكري هذا القول إلى علي بن عيسى الرماني [5] .

ب ـ التعريض: فرّق الشيخ بين (أحْصَرَ وحَصَرَ) ، فقال: (( لأنّ الإحصار هو أن يجعل غيره بحيث يمتنع من الشيء، وحَصرَهُ: منعَهُ، ولهذا يقال: حَصرَ العدوّ، ولا يقال: أَحصَرَ ) ) [6] . واحتجّ بكلام المبرّد وتفرقته بين الفعلين مستشهدًا بنظائر ذلك في كلام العرب: (( كقولهم: حبَسَه أي جعله في الحَبْس وأَحبَسه أي عرَّضَه للحَبس، وقتَله: أوقَع به القتل، وأقتلَه عرَّضه للقتل، وقبَرَه: دفنه في القبر، وأقْبَره عرَّضه للدَفن في القَبْر، فكذلك حَصَره: حبَسَه، أي أوقع به الحَصْر، وأَحْصَرَه عرَّضه للحَصْر ... ) ) [7] .

وتنفرد صيغة (أفعَل) بهذه الدلالة؛ ذلك أنّ الفعل المجرّد في الغالب يكون متعديًا نحو: حَصَرَ، وحَبَسَ، وقَتلَ، وقَبَرَ. فإذا زيدت الهمزة لم يؤثّر في عملِه، فبقي على حاله من التعدّي، ولكنّها تؤثّر في حكم المفعول به؛ لأنّ الحدث مع المجرّد مُتحقّق الوقوع على المفعول

(1) ليس في كلام العرب: إبن خالويه25، وينظر مقدمة (فعلت وأفعلت) 62.

(2) ينظر الفروق في اللغة 15، والمخصّص 4/ 14/171، والمزهر 1/ 384.

(3) ينظر فقه اللغة (وافي) 186، ومقدمة (فعلت وأفعلت) 63.

(4) التبيان 4/ 57، وينظر 7/ 84.

(5) الفروق في اللغة 285.

(6) التبيان 2/ 155.

(7) التبيان 2/ 156، وينظر شمت وأشمت 4/ 549، ولحد وألحد 5/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت