تنوّعت ثقافة الطوسي وتعدّدت المصادر التي استقى منها علمَه، فلم يقتصر على موردٍ واحدٍ في توسعة آفاق عقليّته المَرنة والموهوبة، ولم يقتصر على طائفة معينة من الشيوخ، بل أخذ ينهَل من مختلف المذاهب، فضلًا عن مذهبه الذي ينتمي إليه وهو مذهب الشيعة الإمامية [1] .
وللطوسي شخصية مميّزة تتّحد فيها الطاقة الذهنية والمواهب الفطرية والقدرة على التحليل والنفاذ إلى حقائق الأمور ممّا رفعه إلى مراحل متقدّمة في التفكير والإحاطة بعلوم مختلفة تثقّف بها وأفاد منها. ولكنّه لم يكن مقلّدًا وإنّما كان مجتهدًا مميّزًا في علوم الفقه والأصول والتفسير واللغة.
وقد ترك الطوسي مؤلَّفاتٍ جمَّة لم تزل تحتل مكانةً ساميةً بين آلاف الأسفار الجليلة التي ولّدتها عقول علماء العربية. وتُعدّ مؤلّفاته من المنابع الأولى والمصادر الموثّقة التي خلّدت ذكره وذكر سابقيه؛ لأنّها خُلاصة الكتب اللغويّة والتفسيريّة والفقهيّة والكلاميةّ القديمة، إذ كانت في متناول يده أكبر المكتبات في بغداد قبل أن تُحرَقَ ويَضيعَ تراثها الغزير، فقد أفادَ من كلّ ذلك وألّف في شتى العلوم من الفقه وأصوله و العقائد والكلام والتفسير والحديث والرجال والأدعية والعبادات وغيرها [2] .
وتربو هذه المؤلّفات على الخمسين مؤلّفا أغلبها مطبوع، وقليلٌ منها لا يزال مخطوطًا، وبعضها لم يصل إلينا. وقد ذكرَ أكثرَها في كتابه (الفهرست) [3] ،وأشار إليها في تفسيره (التبيان) في أكثر من موضع، وسنذكر طائفةً منها مرتّبة على حروف المُعجم [4] :
1ـ الأبواب: سُمّي بذلك؛ لأنّه مُرتّب على أبوابٍ بعدد الرجال الذين رَوَوا عن النبيّ محمد
ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والأئمة الاثني عشر ومَن تأخَّر عنهم من الرُواة، وسُمّي
أيضًا كتاب (الرجال) .
2ـ اختيار الرجال: وهو تهذيب لكتاب (رجال الكشي) أبي عمرو بن عمر بن عبد العزيز،
الذي كان كثير الأغلاط فعَمَدَ الطوسي إلى تهذيبه.
3 ـ الاستِبصار فيما اختُلِف من الأخبار: وهو من المصادر الأصيلة في الحديث، والمُعَوَّل
عليها لدى الشيعة في استنباط الأحكام الشرعيّة منذ عصر الطوسي حتى يومنا هذا.
4 ـ أصول العقائد: وهو كتاب كبير في الأصول.
(1) لسان الميزان 5/ 135، وطبقات المفسرين 29، وينظر: منهج الطوسي ف 12 ـ 16.
(2) مقدمة التبيان للطهراني ن.
(3) ينظر: 189 ـ190.
(4) ينظرتفصيل هذه المؤلفات في: مقدمة التبيان للطهراني ي ـ أ و، ومنهج الطوسي 16ـ25.