الصفحة 9 من 337

أكثر أهل زمانه أدبًا وعلمًا وفضلًا [1] ، فلازمه الطوسي زمنًا طويلًا. ولمّا توفي انتقلت رئاسةُ المجالس العلميّة إلى الطوسي نفسه، وصارت داره التي بالكرخ مقصدًا لطلاب العلم والفضلاء يأتونها يتتلمذون له ويحضرون دروسه، ويسعَون لحلّ المشكلات وإيضاح المسائل، وقد بلغ عدد تلاميذه ثلاثمائة من مختلف الطوائف الإسلامية [2] .

وتولّى ذلك اثنتي عشرة سنة بين (436ـ448) ، لقِّب بعدها بشيخ الطائفة وعدّتها، وزاد الإقبال على دروسه، ممّا دفع الخليفة العباسي القائم بأمر الله (422ـ467هـ) إلى أن يمنحه (كرسيّ الكلام) ، هذا الكرسي الذي لم يكن يحظى به إلاّ من برَزَ علمُه وكبُرَ شأنُه وفاقَ أقرانَه [3] .

وقد عاش الطوسي عصرًا مليئًا بالصراع الفكري بين أصحاب المذاهب الكلاميّة والفقهيّة، الصراع الذي كان يخبو ويلتهب بين الحين والآخر، وقد ذاق الطوسي مرارته، إذ تعرّضَتْ دارُه للهجوم، وأُحرِقَت كتبُه بمَحضرٍ من الناس، وسُرِقَ كرسيّ المناظرة منه [4] .

ولكنّ هذا لم يُثنِ الشيخ عن هدفه السامي في خدمة الدين والأمة، ولم يُزعزع ثقتَه بالمستقبل، فظلّ مُنكبًّا على التأليف وإعطاء الدروس العلمية.

ولمّا اشتدّت الاضطرابات اضطرّ للسفر إلى مدينة النجف مُجاورًا لقبر أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ ومُتمّمًا نشاطه العلمي الذي عُرف به في بغداد، فازدهرت على إثر ذلك مدينة النجف وصارت مَحطّ رجال العِلم من كلّ حدَبٍ وصَوب، ولذا يُعدّ الطوسي (( أوّل من جعل النجف مركزًا علميًا ) ) [5] ، إذ صارت مُتخصّصة بدراسة الفقه والحديث والأصول والعلوم الإسلامية الأخرى، وغَدَتْ من أوسع الجامعات العلميّة وأهمها.

وظلّ الطوسي في النجف يُدَرِّس ويُملي مُحاضراته بصورةٍ منتظمةٍ حتى تُوفي سنة (460هـ) ليلة الاثنين، في الثاني والعشرين من المُحرّم، ودُفنَ في داره التي جعلت فيما بعد مسجدًا عُرفَ باسمه، وأضحى مدرسةً علميّةً كبرى، يتلقّى فيها طلبة العلم العلوم المختلفة وينهلون الفضلَ إلى يومنا هذا، وقد تخرّج فيها كبار علماء النجف.

ب ـ ثقافته وآثاره:

(1) بغية الوعاة 2/ 262.

(2) ينظر: الرجال 1/ 306،وحياة الشيخ الطوسي للطهراني ص د.

(3) حياة الشيخ الطوسي للطهراني د.

(4) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 8/ 179.

(5) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: أغا بزرك الطهراني2/ 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت