الصفحة 8 من 33

يفسِّر أصحاب هذا الاتجاه فساد الصوم بها؛ لأنها بحسبهم داخلة إلى الجوف، وقد استفاد الجسم منها، فحصل بها أحد معاني الأكل والشرب، وهو الدواء عن طريق إدخاله إلى الجوف، وما دخل إلى الجوف المعتبر فإنه يكون مفطرًا حتى لو كان عن طريق غير معتاد كالأنف، أو من غير المخارق الطبيعية كمداواة الجائفة كما هو عند الجمهور، أو حتى كان عن طريق المسام، كقول عامة أهل العلم بالفطر عن طريق الإبر المغذية.

فكل هذه الصور حصل بها الإفطار لا من جهة النظر إلى المنفذ، وإنما من جهة حصول الدخول إلى الجوف.

فالمنفذ دليل على الدخول على الجوف، فيستدل به على الدخول إن كان نافذا، ويستدل به على عدم الدخول إن لم يكن نافذا.

لكن إن تحقق الدخول إلى الجوف من غير المنفذ، أو من المنفذ غير النافذ في العادة فإنه يجب أن يحصل به الإفطار.

فالمنفذ دليل يستدل به على الفطر، ويناط به أحيانًا، ولكن قد يقع الفطر من غيره، فالمنفذ ليس هو الطريق الوحيد لوقوع الفطر، وانتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول.

كما أن المنفذ نفسه لا يكون مفطرًا إلا إذا تحقق دخول العين إلى الجوف، فالفم منفذٌ بالإجماع القطعي ومع هذا فلا يكون دخول العين إليه مفطرا ما لم يتجاوزه إلى الجوف.

وخلاصة ما سبق:

أنه إذا تحقق دخول العين المفطرة إلى الجوف فإنه يقع الفطر بها ولو كان من غير المنفذ، وهذا عند جمهور أهل العلم، ولا يكاد يخالف في هذا إلا أهل الظاهر، وجماعة ممن التزم أصلهم فقصر حصول الإفطار على وقوع صورة الأكل والشرب عن طريق المنفذ المعتاد، وهو الفم.

إذا تم تقرير هذا الأصل واتضح: أُتْبِع ذلك بالقول:

إن دخول الداخل إلى الجوف عن طريق المسام لا يلغي كونه مفطرًا، لأن وصف الإفطار حصل فيه عند أكثر أهل العلم، واشتماله على وصف المسام لا يؤثر، لأن مناط الإفطار لم يكن معلقًا به، فكما أن وصف المسام لاغٍ عند عامة أهل العلم، فإن وصفه هنا لاغٍ أيضًا، وإنما أنيط الحكم بمعنى معتبر عند جمهور أهل العلم، وهو دخول العين إلى الجوف.

تعليق على الاتجاهين في مسالة الأقراص التي توضع تحت اللسان:

هذه المسألة تشبه من وجهٍ مسألة الكحل إذا وجد طعمه في الحلق، فالكحل:

1 -واصلٌ إلى الحلق.

2 -ووصل عن طريق المسام، عن طريق امتصاصه، هذا مع التسليم بوجود القناة الدمعية التي دل عليها علم التشريح.

فنجد أن المالكية والحنابلة: جزموا بوقوع الفطر بها لأن نفاذها وإن كان عن طريق المسام، إلا أنه يبقى أنها عين دخلت عندهم إلى ما يناط به الجوف، وهو الحلق، فحصل معنى الأكل والشرب، ولا نظر بعد ذلك في طريقة دخوله هل هو عن المسام أو عن طريق منفذ معتاد.

بينما نجد الحنفية والشافعية: جزموا بعدم حصول الفطر بها، وإن وجد طعمها في حلقه، وعللوا ذلك أنها داخلٌ عن طريق المسام، والفطر لا يقع بما دخل عن طريق المسام.

هذا بحسب ما استدل به كل فريق، لكن عند تحقيق المسألة على قواعدهم:

تجد أن الفريق الأول، وهم المالكية والحنابلة:

ينيطون الداخل بالحلق، وهو حاصلٌ في هذه المسألة فحكموا بإفساده للصوم.

ينما الفريق الثاني وهم الحنفية والشافعية:

فالمسألة مناطة عندهم بالبلع، ووصولها إلى الحلق لا يكفي لحصول الإفطار ما دام أن البلع لم يتحقق.

وبهذا نعرف أن دخولها عن طريق المسام لم يعد له أثر في المسألة، وإن كان النظر إليه من مستندات كل فريق في مسألة الكحل.

وبمقتضى استدلالاتهم يمكن الخروج بالنتائج التالية:

المالكية والحنابلة: لا نظر إلى منفذ المسام إن وصل الداخل منه إلى الجوف المعتبر.

الحنفية والشافعية: لا يقع الفطر بالعين الداخلة إلى الجوف إن كان عن طريق المسام.

لكن بالنظر إلى أصول المذاهب الأربعة نجد أن الأدق ما ذهب إليه المالكية والحنابلة:

بأنه لا نظر إلى المسام إن دخلت العين إلى الجوف المعتبر، أما عدم وقوع الإفطار بالكحل عند الحنفية والشافعية فلأن الداخل لم يصل إلى الجوف المعتبر عندهم، وهو ما بعد الحلق، وإن كان مقتضى استدلالهم في مسألة الكحل أنه لا نظر إلى الداخل إن كان عن طريق المسام، غير أن تفريعاتهم تقتضي العكس وأنه لا نظر إلى المنفذ إن تحقق الوصول إلى الجوف، كما هو قولهم في الجائفة والمأمومة، وكما هو قول عامة المعاصرين على وقوع الفطر بالإبر المغذية، ومن هؤلاء جماعات كبيرة من الحنفية والشافعية، مع أن الإبر المغذية إنما تدخل عن طريق المسام، لكن لما تحقق دخولها إلى الجوف لم يلتفت إلى طريقة دخولها.

وكخلاصة لما سبق يمكن الخروج بالنتيجة التالية:

لا نظر إلى المنفذ إذا تحقق الدخول إلى الجوف المعتبر، وهذا بحسب قواعد الفقهاء الأربعة.

وهذا يخالف: مذهب أهل الظاهر، ومن جرى مجراهم بقصر حصول الفطر على صورة الأكل والشرب.

ويخالف: بعض استدلال الحنفية والشافعية في مسألة الكحل.

نرجع إلى مسألتنا وهي الأقراص التي توضع تحت اللسان:

فهي: عين تدخل إلى الجسم عن طريق المسام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت