الصفحة 5 من 33

وبذلك يظهر بجلاء ضعف ما ذكروه مِنْ حججٍ قياسًا على وصول الماء مِن المبالغة الاستنشاق الذي خيف وقوعه على الصائم في حديث لقيط بن صبرة.

وتلخيصًا لما سبق نقول:

استدلال الفقهاء بحديث لقيط بن صبرة له جهتان:

الجهة الأولى: تحقيق معناه، وهو أن العبر بما ألحق بالأكل والشرب هو المعنى لا الصورة، فإن الحديث قد دل على أنه لا يشتراط أن يكون الداخل إلى الجوف مِن المنفذ المعتاد، وهو الفم، فما كان في معنى الأكل والشرب ألحق به ولو لم تتحق فيه صورتهما.

الجهة الثانية: التوسع في دلالته على المفطرات بثلاثة أمور:

1 -الجوف.

2 -المنفذ.

3 -العين المفطرة.

فاعتبروا أو بعضهم مع الجوف الأصل: أجوافًا فرعية وهي الدماغ والدبر والمثانة.

وسبق بيان عدم صحتها.

واعتبروا منافذ غير منفذ الفم: فهم اعتبرو الأنف بدلالة حديث لقيط بن صبرة، وهو منفذٌ ثابتٌ بالنص والمعنى.

واعتبروا منافذ غير منصوصة ولا المعنى يعضدها بوصول الداخل إليها إلى الجوف، وهذه المنافذ هي العين والأذن، والإحليل، وفي الفرج والدبر تفصيل.

الخلاصة:

لأهل العلم في حديث لقيط بن صبرة مسلكان رئيسان:

1 -اعتباره دالًا على مفطرات الصيام، وهذا قول عامة أهل العلم.

2 -اعتباره غير دال، وهو قول ابن حزم والقرضاوي.

والراجح: المسلك الأول، والثاني مسلكٌ شاذ وغريب.

ثم انقسم القائلون بدلالته على أحكام المفطرات على طريقتين اثنتين:

الطريقة الأولى: توسيع دلالته على المفطرات.

باعتبار أمور:

1 -أن الماء المبالغ به إنما يصل إلى الدماغ، فيكون الدماغ بذلك جوفًا كالبطن لأنه يصل إليه، وبعضهم ألحق الدبر والمثانة، فتحصل هناك ثلاثة أجواف فرعية إلى جانب الجوف الأصلي.

2 -إلحاق بقية المنافذ بالأنف بجانب أنها منافذ غير معتادة مثل الأنف.

3 -إفساد الصوم بكل واصل.

وهذه طريقة الجمهور في الجملة ولهم تفاصيل.

الطريقة الثانية: تقييد دلالته على المفطرات.

وذلك بالقول أن ما في حديث لقيط بن صبرة متفقٌ مع المفطرات المجمع عليها، فهو ماء ينفذ من منفذ واصل إلى جوف البطن، ولا فرق بينه وبين الشرب إلا في صورة المنفذ: فأحدهما الأنف والآخر الفم، وهما يشتركان في أنهما منفذان واصلان إلى جوف البطن.

أما الدماغ فلا منفذ له إلى الجوف (البطن) ، كما أثبت الطب الحديث وبالتالي لا يكون جوفًا مستقلا، فتكون النتيجة ألا يقع الفطر بمجرد وصول العين المفطرة إلى الدماغ، كما أنه لا يصح إلحاق جوف آخر اشترك مع الدماغ في المعنى في كون عدم النفوذ إلى الجوف الأصلي.

كما أنه لا يصح إلحاق منفذ غير نافذ إلى جوف البطن.

أما كونه محيلًا للغذاء أو الدواء:

فهذا وقع لبعض الشافعية، وذكروه وجهًا مذكورًا في الكتاب إلا أن الرافعي تصدى له وبين أنه مخالف لتفريع الأكثرين، في عدم اشتراط ذلك:

بدليل اعتبارهم الواصل إلى الحلق، وليس فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء.

ويمكن أن يجاب على ما استشكلوه على أنفسهم بما يلي:

نعم، وقع الاتفاق على الإفطار بما وصل إلى الحلق وجاوزه، ولم يكن بذلك محيلًا للغذاء ولا للدواء، وذلك لا لأنه جوف ولكن لتحقق كونه طريقا إلى الجوف الذي يحيل الغذاء أو الدواء.

وأقسام الجوف باعتبار إحالة الغذاء والدواء:

1)البطن والأمعاء: يحيلان الغذاء والدواء.

2)الدماغ: يحيل الدواء فقط.

3)الحلق والمثانة والأذن: لا يحيل الدواء ولا الغذاء.

والعلم التجريبي يؤيد وجهة النظر الأولى، وأن القوة المودعة في جسم الإنسان التي تحيل الداخل ليست في الدماغ ولا في الحلق ولا في المثانة، وإنما هي في البطن والأمعاء.

ولذا فالمختار أن الفطر إنما يقع بما وصل إلى الجوف الأصلي، وهو المعدة والأمعاء، ويناط بما رواء الحلق من الأعلى، وبما يمتص من الأمعاء من الأسفل، وفي حكمه ما يدخل عن طريق الإبر الوريدية التي تمد الجسم بالغذاء والدواء، والتي أصبحت منفذا معتادًا للمرضى.

وبناء على ما ذكرت فأجد أن قول الأطباء المعاصرين أن الجوف هو الجهاز الهضمي قريبٌ جدًا، ولا يرد عليه ما أدخله عليهم الدكتور أحمد خليل بمن ابتلع شيئا وجاوز الحلق إلى البلعوم ثم تقيئه، وقوله: ما الدليل على إفطار هذه الصورة؟.

وذلك لأن هذه الصورة يقع الفطر فيهابالإجماع، حتى الحنفية فهم إنما اشترطوا الاستقرار في الجامد الذي لا صلاح للبدن به كالمناظير المعاصرة.

كما أن الخلاف إنما وقع بين المالكية والحنابلة وبين الحنفية والشافعية في إناطة الإفطار بوصول العين إلى الحلق، أو إناطته بمجاوزته.

وبه نعرف أن كلام الدكتور أحمد خليل خارج أقوال الفقهاء، ناهيك عما أدخله في سؤاله من صورة التقيء، وهي مفطرة عند أكثر أهل العلم.

وإنما أتى الدكتور أحمد خليل وجماعة من المعاصرين من تأثرهم بمذهب ابن تييمة في تضييق دائرة المفطرات، ولم يحققوه فشاع نفسٌ يريد أن يقصر دائرة الإفطار على ما كان على صورة الأكل والشرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت