وهذا هو المراد من التبين المذكور في الآية، وهذا ما يتفق تمامًا مع قول عامة أهل العلم، وإن ظن بعض الناس أنه قولٌ آخر في المسألة على سبيل الخطأ.
الاتجاه الثاني: ما يفيد التأخير الشديد للسحور.
يقول ابن كثير: رُوي عن طائفة كثيرة من السلف: أنَّهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر.
فلا ينبغي تحميل هذه النقولات أكثر مما تدل عليه.
الاتجاه الثالث: ما يفيد التفريق بين وقت الصلاة والصيام: فيحل وقت الصلاة بطلوع الفجر، ولا يحل وقت الصيام إلا بتبينه.
وهذا من الخلاف القديم في المسألة الذي ارتفع، وعامة أهل العلم أن وقت الصلاة والصيام متلازمان، فبطلوع الفجر يحل وقت الصلاة، ويحرم الطعام على الصائم، وقد وقعت في ذلك النصوص الصريحة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) ، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الفجر فجران، فالذي كأنه ذنب السِّرحان لا يحرم شيئا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الصوم.) أخرجه النسائي والطبري وجوده ابن كثير.
وقال ابن زيد:
ذلك الخيط الأبيض هو من الفجر نسبة إليه، وليس الفجر كله. فإذا جاء هذا الخيط وهو أوله، فقد حلت الصلاة وحرم الطعام والشراب على الصائم.
الاتجاه الرابع: أن المناط هو من تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بالنسبة للصائم لا في تبينه في نفسه الأمر.
وهذا من الخلاف القديم في المسألة الذي ارتفع، وإنما أحياه ابن حزم الظاهري، وهو في الحقيقة قولٌ يتناسب مع أصوله من جهتين:
1 -فهو يليق بظاهريته بالتمسك بظواهر النصوص، وقد بدا له ذلك.
2 -كما أن هذا القول لا يتصادم مع أصوله؛ بل هو ينتظم في قاعدته في باب الشذوذ، وأنه لا يبالي بما صار إليه من موافقة أو سبق أو إجماع منعقد إذا لم يكن قطعيًا.
الاتجاه الخامس: ما يفيد جواز الأكل للشاك حتى يتبين له الفجر:
فهذا هو قول جمهور أهل العلم، وحكي إجماعًا، والخلاف فيه مع الإمام مالك.
فيأكل ما دام شاكًا حتى يتبين له الفجر، وليس عليه شيء، لكن إن تبين له أن أكل خطأ، وأن الفجر قد طلع، فإن الجمهور من الأئمة الأربعة على أنه يقضي.
الاتجاه السادس: جواز الشرب لمن طلع عليه الفجر والإناء في يده:
عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء علي يده فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه) ، وعن أبي هريرة: (أنه سمع النداء والإناء على يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة) أخرجهما أبو داود.
والعلماء في الجواب عن الحديث المرفوع مسالك ثلاثة:
1 -إعلاله [أبو حاتم، ابن القطان] .
2 -تأويله بأن كان الأذان قبل طلوع الفجر [النووي]
3 -أنه استثناء في حال معينة، وأن الاستدامة أقوى من الابتداء ما دام أن الإناء في يده.
خاتمة:
وصف أهل العلم هذا القول بالشذوذ، وأنه لا وجه للكلام فيه، وأنه قولٌ لا يستحق التعريج عليه، ومن من جملته ما لا يستقر قدم أحد من أهل العلم عليه كما يقول ابن كثير فيمن حده بطلوع الشمس.
لكن إنما نعرج عليه اليوم:
لأن الحاجة مستدعية إليه بسبب شيوع الأخذ بالغرائب، وشواذ العلم، وإحياء ما مات من الخلاف، وتخطي الإجماعات المتوالية والمستقرة.
وإذا كنا في زمن التقليد والجمود نستحث على اتباع النصوص وإحياء الاجتهاد، فإنه ينبغي كذلك في زمن الافتيات والتخطي والتصدر أن ندفع إلى الانضباط في أقوال جماعات أهل العلم ولو لم يكن إجماعًا محافظة على حرم الإجماع، ففي أقوال عامة أهل العلم يكون الصواب مندرجًا في تضاعيفه غالبًا؛ فإن الحق ظاهر ومتضح، ويبعد أن يجتمع عامة أهل العلم على خلافه، وإن كان قد يقع ذلك بقلة، إلا أن الانضباط فيه أقرب إلى الصواب والسداد؛ وذلك لأن من انضبط فيه لم يكد يفوته من مسائل الحق والصواب إلا جملة مسائل قليلة هي من جنس النادر، بينما نجد أن من أَلِفَ مجاوزة أقوالهم، لاسيما من كان ناقص الآلة، قليل الدربة، شديد الجسارة، فإنه يغلب على الظن كثرة اجتيازه للصواب، ومصاحبته للغلط، وتجذر وصف الشذوذ لديه؛ لذا فينبغي التفريق بين شأن الأئمة والكبار، وبين شأن المتفقهة في قضايا التفرد، فالأئمة يعرفون أين ينزعون، وبم يخالفون، فالمسائل لديهم على وزن دقيق، وتجد لديهم ما يدفع الشذوذ في قولهم بوجوه من النظر، وبتصاريف تشفع لهم تفردهم، وقد تقوى لهم الحجة، فيدعون لأقوالهم أن عليها الجمهور، وإن لم تضبط صياغتها في الكتب المتأخرة.
ـــــــــــــــــــــ
( [1] ) اللقحة: الناقة الحلوب
هي الناقة التي تكون قريبة العهد بالنتاج
إضافة:
نقولات في المسألة:
وقد اعتبر الطبري:
أن القول بسوى هذا االتحديد [من طلوع الفجر إلى غروب الشمس] مخالف لما دل عليه كتاب الله، ومخالف لما نقلته الأمة. ( [1] )
وقال ابن المنذر:
وبه قال عطاء، وعوام أهل العلم علماء الأمصار. ( [2] )
وقال ابن عبد البر: