الصفحة 64 من 85

فالأنبياء والرّسل سارقون ولصوص، وليس أحد منهم بابًا للرّحمة، ولا للملكوت، فالمسيح هو الكلّ في الكلّ وغيره صفر عريض.

وحتى نغلق هذا الباب العريض فإننا ننبه أنّ المسيح الذي تصوّره الكنيسة والإنجيل بالمحبّ والرّؤوف، والمسالم، وبأنّه يدعو غيره بالتي هي أحسن، وما استعمل العنف أو القسوة أبدًا، حتّى قال عنه أبوه السّماوي -كما يزعم الإنجيل- (لا يخاصم ولا يصيح وفي الشّوارع لا يسمع أحد صوته، قصبة مرضوضة لا يكسر، وشعلة ذابلة لا يطفئ، يثابر حتّى ينتصر ) [1] .

ويزكّيه تلميذه الحبر الأعظم بطرس بقوله في الإنجيل (ما ردّ على الشّتيمة بمثلهما، تألمّ وما هدّد أحدًا ) [2] .

إنّ هذا المسيح مفقود في الإنجيل، وإنّما وجدنا مسيحًا يلعن ويشتم، يهدّد بالويل وما ترك تهديدًا إلاّ ولوح به لليهود والرّوم والتّلاميذ والوثنيّين وأمّه والأنبياء الذين من قبله...، فكيف يقول الإنجيل إنّه ما ردّ على أحد بشتيمة!؟

وكيف يدّعي الإنجيل أنّ المسيح وديع لدرجة أنّه لا يخاصم، ولا يكسر قصبة مرضوضة، ولا يطفئ شعلة ذابلة!؟ لا ريب أنّ في الإنجيل تناقضات خطيرة، واختلافات لا سبيل على الإطلاق للتّوفيق بينهما، إنّها اختلافات واضحة وضوح التّزوير، وبائنة للعيان بيانًا لا يحتمل التّأويل أو التّفسير، إنّه اختلاف يؤكّد الحقيقة القرآنية التي تقرّرت، وهي أنّ الإنجيل الذي بين أيدينا اليوم لا يمتّ إلى الوحي بصلة، إنّه نتيجة قرون طويلة من التّأليف، والتّغيير والتّبديل، شارك في وضعه المئات بل الآلاف عبر السّنين المختلفة والأزمنة المتباعدة، وهذا ما يفسّر ذلك الحجم الهائل من التّضارب والتّناقض.

(1) متّى 12: 19 - 20.

(2) رسالة بطرس الأولى 2: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت