ففي زمن اكتشاف أمريكا الجنوبيّة، دخلت جيوش إسبانيا أمريكا اللاّتينيّة فعاثوا في الأرض الفساد، وأبادوا قبائل الهنود بأكملها، وأذاقوا السكّان الأصليّين من صنوف العذاب ما لا يخطر على بال، فقُبض ذات يوم على رئيس قبيلة من الهنود، ووضعت السّلاسل في يديه ورجليه، فجاءه القسّيس الإسبانيّ المصاحب للجيش، فعرض الصّليب والإنجيل على الرّئيس القبليّ ودعاه لاعتناق النّصرانيّة، فقال له ذلك الرّئيس وماذا أربح باعتناقي هذا الدّين؟ فقال القسّ ستدخل الجنّة، فقال له الرّئيس وهل يوجد في الجنّة إسبانيّون؟ فردّ القسّ نعم.
فقال الرّئيس القبليّ: لا أريد أن أدخل جنّة فيها أسبان وفضّل الموت على أن يعتنق دين النّصرانيّة !!
وشتّان بين هذا والإسلام، فلا يزال التّاريخ يشهد على تسامحه في فتوحاته، ففي فتح مصر عدَل الإسلام، وقال عمر بن الخطّاب كلمته الخالدة «متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا» .
وفي فتح الأندلس، أضحت مدنها منارات حضاريّة في ظلام أوروبا الدّامس، ولقد قال أحد المؤرّخين الغربيّين:"إنّ أكبر مصيبة وقعت للإنسانيّة وللغرب، هو انهزام المسلمين في معركة بواتيي (Poitier) بفرنسا، لأنّ حينها توقّف المدّ الإسلاميّ في العالم، ممّا جعل العالم يخسر كلّ شيء".
وحتّى لا نسترسل في الحديث عن التّاريخ، نعود إلى الإنجيل والمسيح، فالمسيح الذي ذكر تلك الآيات التي تضرب الأسرة والمجتمع في مقتلٍ طبّق نظرّياته في أرض الواقع وبجدارة.
جاء في الإنجيل (وقال يسوع لرجل: اتبعني، فأجابه الرّجل، يا سيّد دعني أذهب أوّلًا وأدفن أبي، فقال له يسوع اترك الموتى يدفنون موتاهم، وأمّا أنت فاذهب وبشّر بملكوت الله) [1] .
(1) لوقا 9: 59 - 60.