كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 82
مدة الحمل الذي يمكن فيه أن يكون الجنين قابلا للمعيشة؟ فنقول: نهايته ستة أشهر على رأي بعضهم، أو أنه لا يمتع بالقابلية الحقيقية إلا في الشهر السابع، والقانون عندهم أن الطفل المولود قبل مائة وثمانين يوما من وقت بناء الزوج بزوجته يجوز للزوج أن ينفيه عنه إذا اشتهر كونه قابلا للحياة، فنقول بالنص: إن قابليته الحياة تبتدئ مع الشهر السابع، وهذا القانون بالنظر للأمر الشرعي من الحكم الجليلة، وليس شيء أعدل منه، لكن لا يدل بوجه من الوجوه على أن الجنين لا يكون أبدا قابلا لذلك قبل آخر الشهر السادس، ولا أنه يكون دائما قابلا للمعيشة في ابتداء السابع، فالذي يدلنا على قابلية المعيشة للجنين هي درجة الإتقان الذي وصل له لا زمن الحمل، ولما كان نمو الجنين غير ثابت الحال جاز أن يكون الطفل ذو الثمانية أشهر أقل كمالا في هذه القابلية من طفل له سبعة أشهر، وهناك مشاهدات كثيرة تدل على أن بعض الأجنة ولدوا صغار الحجم جدا، بل منهم من ولد لأربعة أشهر ونصف، قال الفيسولوجيون: لا يمكن ذلك، ثم ذكروا مشاهدات يعسر نقضها الآن، وإنما يكون الجنين قابلا للمعيشة إذ كان ناميا كفاية بحيث يمكنه أن يحرك أطرافه ويصيح ويتنفس بسهولة، ويكون رأسه مغطى، أو ابتداء في أن يتغطى بشعر جلده غير شفاف، ومغطى بزغب، وعلى سطحه طلاء دهني، ومعظم عظام الجمجمة متلامسة الحوافي، فتكون الدروز واليوافيخ في رأسه ضيقة، ويخرج منه العقي والبول مجاورة الأجزاء المختلفة جسمه، وأقطارها قريبة لما يشاهد طبيعة في التام الاعتيادي لا أن قبوله للمعيشة يسبب كونه كمل له سبعة أشهر أو أكثر، فبمقتضى ذلك ليست العلة لعدم قابليته كونه ولد قبل الشهرين الأخيرين من حمله، وإنما العلة هي عدم الصياح وضعف التنفس والحركات وعدم إمكان مسكه حلمة الثدي، وعدم تفريقه عقيه وبوله، ورخاوة عظام الجمجمة وتباعدها عن بعضها، وعدم وجود الشعر أو قتله جدا، وشفافية الجلد ولونه الأحمر، وجود الطلاء الدهني، وقلة سموكة الأظافر، ونحو ذلك مما يدل على أن أعضاءه بعيدة عن درجة الكمال اللازم لحفظ الحياة الظاهرة.
«المسألة الثانية» : في قوله تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ) [الحجّ: الآية 5] .
وذلك كالدلالة على أن فيه ما لا يقره في الرحم وهو السقط، فنقول: إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا آنفا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة؛ لأنه بعد أن تتم خلقة البعض وتنقص خلقة البعض؛ أي النشأة، لا يجب أن يتكامل ذلك، بل فيه ما يقرّه اللّه تعالى في الرحم وفيه ما لا يقرّه وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط. وأما قوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) [الحجّ: الآية 5] ففيه وجهان: