كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 68
الغالب أن يكون قدر طول الجنين وغلظه كغلظ الخنصر، وهو مركب من ثلاثة أوعية سرية ووريد وشريانين وجوهر آخر هلافي الشكل منفعته أن يضم هذه الأوعية إلى بعضها، فالوريد غلطة قدر غلط الشريانين معا، وهو آت من الوريد الأجوف السفلي للجنين، وبعد أن يستطرق في بطن الجنين بالوريد الباب والأوردة الكبدية يخرج من السرة ويتفرع في الوجه الجنيني للمشيمة، وهذا الوريد لكونه خاليا عن الصمامات ينبغي أن يعتبر كزائدة شعاعية للجنين والشريانان زائدان عن الشريانان الحرقفيين للجنين، ويأتيان أيضا متفرعين في السطح الجنيني والجوهر الهلامي الشكل يصاحب الأوعية إلى تفاريعها في المشيمة، ثم إن الحبيل السري مستتر من المظاهر بالسلى و «الأمنيوس» ، وقمة المثانة في الأجنة ذوات الثدي مستطرقة بقناة يشاهد أثرها في الجسم البشري، وهي في الأجنة البشرية على هيئة رباط ينضم للأوعية السرية ويخرج معها من السرة وينتهي بالكيس الموضوع بين السلى و «الأمنيوس» ، وهذا الكيس هو الحوصلة التي تسهل مشاهدتها في أجنة بعض الحيوانات غير أنها قليلة الظهور في الأجنة البشرية.
«المسألة الثانية» في قوله تعالى: (إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ(22) فَقَدَرْنا.
والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة، وذلك الوقت معلوم لله تعالى وحده لا لغيره، كقوله جل من قائل: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... إلى قوله: (وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ) [لقمان: الآية 34] . وأما قوله: (فَقَدَرْنا. فقرأ نافع وعبد اللّه بن عامر بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، أما التشدد فالمعنى: أنا قدرنا ذلك تقديرا فنعم المقدّرون له نحن، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى: (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19) [عبس: الآية 19] . ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدّر على المخلوق، فحسن ذكره في موضع ذكر المنة والنعمة، ومن طعن في هذه القراءة قال: لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال: فقدرنا فنعم المقدّرون. وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين، قال تعالى: (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17) [الطّارق: الآية 17] وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان:
(الأول) :
إنه من القدرة، أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا فنعم القادرون حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات.