ويطعنون بما لا يفقهون ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون والله يرحمنا ويرحمهم ويهديهم ويصلحهم ولقد عمت هذه الفتنة في هذا الزمان وقامت من كل جانب راية الشر والطغيان ودخلت في كل بلدة من بلاد الإسلام إلا ما حفظه الله ذو الإكرام لا سيما في بلادنا وإقليمنا فلم تبق بلدة من بلاده إلا وقد دخلته وأفسدت الاجتماع وفرقته وما من بلد إلا ما شاء الله إلا فيه فريقان يتنازعان ويخوضان في ما لا يعنيهما ويتجادلان ولست أتحسر على دخول الجهال في أحد الفريقين وإنما أتحسر على اختيار غالب علماء عصرنا أحد هذين الطريقين فإن علماء عصرنا رحمهم الله ورحمنا متفرقون على فرق أربعة ففرقة يغوصون في بحار العلوم الفلسفية ويصرفون أعمارهم في الفنون الحكمية التي لا ثمرة لها معتدة لا في الدنيا ولا في الآخرة وهم بمعزل عن منازعات المسائل ومشاجرات المجيب والسائل وهم وإن أحاطتهم ظلمة الفلسفة فقد نجو من المخمصة والمفسدة وفرقة غاصوا في بحار العلوم الشرعية ولم يمعنوا نظرهم ولم يفتحوا بصرهم فجمدوا على ظاهر ما مر تحت أنظارهم وقطعوا بحقية ما خطر في أفكارهم وفرقة غاصوا في بحارها ولم يأتوا بالدرر بل بأصدافها وهم وإن سمعوا أنظارهم في هذه الفنون لكنها أخطأت فزلت أقدامهم ولم يتيسر لهم الأمر المصون وهاتان الفرقتان هما الفئتان العظيمتان المتنازعتان ولعمري كل منهم مستحق للزجر والتعزير والتأديب والنكير وفرقة هم متوسطون لا يقدمون المعقول على المنقول ولا يقومون على شفا حفرة النزاع ويسلكون سبيل السلف الصالح بلا دفاع، ولقد كال ما وردت إلي الخطوط والرسائل وكثير من المستفتي والسائل لتحقيق هذه المباحث التي تنازعوا فيها وأصروا على إظهار الحق في تنقيدها وكنت أضرب عنهم كشحًا وأعرض عنهم وجهًا علمًا مني بأن أكثر أهل الزمان قد عموا وصموا وإني وإن كنت أسلك في كل مبحث سبيل التوسط لكنه لا يقرع سماعهم ولا يمعن فيه أنظارهم إلى أن ألح علي جماعة من خلص الحباب