فالله عز وجل سيحاسب الإنسان، وليس الحل كما يظن بعض الجلهة أن يبقى جاهلًا لئلا يحاسب على العلم، لا؛ سيعمل على ضلال، فلا بد من العلم، لا بد من العمل، ومن أراد المراتب العالية عند الله عز وجل، فعليه أن يجمع بين الأمرين: أن يتعلم وأن يعمل.
الفائدة السادسة: وهي ما قاله ابن القيم رحمه الله، يقول:"والغضب نتيجة فساد القصد، والضلال نتيجة فساد العلم"بمعنى أن هذا الإنسان الذي علم أن هذا هو الحق لم يتبعه لماذا؟ لأن له في الباطل شهرة ومعيشة كما يقول المعلمي رحمه الله في كتاب التنكيل، يكون له في الباطل شهرة ومعيشة، أو يكون له رئاسة، أو غير ذلك من الأهواء، فيترك الحق الذي عرفه، ويأبى إلا أن يتبع الباطل.
يقول ابن القيم رحمه الله:"والضلال نتيجة فساد العلم، فاعتلال القلوب ومرضها نتيجة لأحد هذين الفسادين، وبالهداية إلى الصراط المستقيم الشفاء من مرض الضلال، وبالتحقق من (إياك نعبد وإياك نستعين) علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا فالشفاء من مرض فساد القصد".
الفائدة الثامنة: وهي أن وجه إضافة النعمة إلى الله سبحانه وتعالى (أنعمت) وحذف فاعل الغضب قال
(غير المغضوب عليهم) ما قال: غير الذين غضبت عليهم، يمكن أن يقال في توجيهه: أن الرحمة تغلب الغضب، فأضافها إليه، قال (صراط الذين أنعمت) (إن رحمتي سبقت غضبي) فناسب أن تنسب إليه، وأن يضيفها إلى نفسه لأنها أكمل الأمرين، وهذه طريقة القرآن، أن يضيف الأكمل كما قال الله عز وجل عن الجن (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) ما قال: أراده الله بأهل الأرض (لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) بالفعل المبني للمجهول (أم أراد بهم ربهم رشدًا) لاحظت الفرق، في الشر قال: (أريد بمن في الأرض) من أرداه بهم لما منعوا من استراق السمع؟ (لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) يعني عذاب ينزل عليهم (أم أراد بهم ربهم رشدًا) .
وكذلك في قول الخضر في سورة الكهف (أما السفينة فكانت لمساكين يعلمون في البحر فأردت أن أعيبها) إرادة العيب نسبها إلى نفسه، وأما في الغلام الذي كان كنزهما تحت ذلك الجدار الذي كاد أن يقع وينهار، فقال فيه حينما أقامه (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) ما قال: فأردت أن يبلغا أشدهما، بينما في خرق السفينة قال (فأردت أن أعيبها) .
وكذلك إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قال (الذي خلقني فهو يهدين) ولما ذكر المرض قال (وإذا مرضت) ما قال: وإذا أمرضني فهو يشفين، مع أن الله عز وجل هو الممرض.
ولذلك فإن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - حينما كان في مرضه الذي مات فيه قيل له: ندعو لك الطبيب، قال: الطبيب أمرضني.
ويمكن أن يقال: إن إسداء النعم يكون من الله، وأما الغضب واللعن فيكون من الله ومن ملائكته (صراط الذين أنعمت) فالله هو المنعم (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) فالغضب واللعن يكون من الله ويكون من الملائكة ومن المؤمنين فإنهم يلعنون ويغضبون ويدعون على الكافرين خلافًا للعلمانيين الذين تضيق صدروهم بالدعاء على أعداء الله عز وجل من اليهود النصارى، ويكتبون في الصحف يدافعون عنهم ويتباكون على الدعاء عليهم، ويقولون لماذا لا تدعون لهم بالهداية، فهل نصر الإسلام يتحقق بكسرهم وبإهلاكهم،