الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
في التعبير في الجمع في قوله تبارك وتعالى (إياك نبعد وإياك نستعين) حيث ذكرت هنالك إشكالًا، وهو أن العابد يظهر ضعفه وفقره كما أن المستعين يظهر عجزه وفاقته، فكيف عبر بقوله (إياك نعبد وإياك نستعين) وذكرت الجواب عن هذا الإشكال.
ثم هنا في قوله تبارك وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم) عبر أيضًا بالنون الدالة على الجمع (اهدنا) ما قال: اهدني الصراط المستقيم، فإذا كان العبد مفتقرًا إلى هداية الله عز وجل، فكيف يعبر بضمير الجمع الذي يدل إما على التعظيم أو يدل على أن السائلين جماعة والسائل واحد؟ وهل يحسن أن يعظم نفسه في مثل هذا المقام؟
فالحاصل أنه يقال في الجواب: إن قوله (اهدنا الصراط المستقيم) في هذا الموضع مطابقة لقوله تبارك وتعالى (إياك نعبد) ولقوله (إياك نستعين) فكان المناسب أن يتبعه بالجمع، فيقول: (اهدنا الصراط المستقيم) لا أن يقول: اهدني الصراط المستقيم، ليكون لكلام على نسق واحد، والله تعالى أعلم.
ولا شك أن التعبير كما ذكرنا في المرة الماضية بالضمير الدال على الجمع أنه أفخم في هذا المقام وأكثر تعظيمًا لله عز وجل، وهو أليق، وذلك أن المقام مقام عبودية، وافتقار إلى الله جل جلاله، وفي هذا السؤال أقرار بالفاقة والعجز والحاجة إلى المالك المعبود، وذلك أن العبد بحاجة إلى إعانته، وهو بحاجة إلى هدايته، ولا غنى له عن ذلك طرفة عين، فعبر بضمير الجمع ليقول والله أعلم: نحن معاشر عبيدِك مقرون لك بالعبودية، كما يقول أحد الرعية للملك: نحن خدمك، ونحن أعوانك وجنودك، فلو أنه قال: أنا خادمك، وأنا وحدي عبدك، وأنا وحدي جندي لك؛ فإن ذلك لا يكون لائقًا بالتعظيم المقصود المطلوب، وإنما يقول: نحن جميعًا لك أعوان وجنود وأنصار، لأن هذا مقام إظهار للتعظيم، وإنما الذي يناسب هذا التعظيم أن يبين أن الجميع مقرون له بالعبودية، وأنهم مفتقرون إليه كل الافتقار، فهذا أحسن وأعظم موقعًا من الأول والله تعالى أعلم.
كما أنه أيضًا يتضمن أن الجميع مشتركون في العبودية والاستعانة وطلب الهداية، وهذا يتضمن من الثناء على الله عز وجل بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد، فإذا قال: نحن عبيدك، نحن الفقراء إليك، نحن الراغبون في هدايتك، فهذا أعظم من أن يقول: أنا راغب في هدايتك، أنا المستعين بك، فإذا كثر المحتاجون المفتقرون فإن ذلك أدل على العظمة والمجد وكمال الملك، وشتان بين من يفتقر إليه شخص واحد وبين من يفتقر إليه جميع المخلوقين.
وإذا تأملت أدعية القرآن وجدتها على هذا النمط، يعني بأسلوب الجمع، وليست بأسلوب الإفراد إلا في ما قل، كقوله تبارك وتعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) (ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة) وما إلى ذلك من الأدعية،