فهذا أعظم من أن يقول: ربي إني سمعت مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنت، ربي فاغفر لي ذنوبي وكفر عني سيئاتني وتوفني مع الأبرار، الأول أفخم وأعظم وأليق والله تعالى أعلم.
وهكذا في كثير من أدعية القرآن، وقد نبه على هذا المعنى الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات، كما نبه عليه الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض كتبه كمدارج السالكين.
ولاحظ هنا أنه قال: (اهدنا الصراط المستقيم) (اهدنا الصراط) ما قال: اهدنا للصراط المستقيم، وما قال: اهدنا إلى الصراط المستقيم، مع أن هذا كله صحيح في كلام العرب وفي لغتهم، فلماذا قال (اهدنا الصراط) يعني جاء بالفعل وعداه بنفسه دون حرف جر: إلى أو اللام، فما قال: اهدنا إلى الصراط، وما قال: اهدنا للصراط، لماذا؟
بعض أهل العلم يقولون إن فعل الهداية كقوله هنا (اهدنا) إذا عدي بنفسه من غير واسطة بحرف جر يعدى به فإن ذلك يدل على معنى ً خاص، وهو: الهداية بمعنى الإلهام والتوفيق، أي كأنه يقول: ارزقنا اتباع الصراط المستقيم، فالهداية تعرفون أنها على نوعين: هداية توفيق؛ وهذه مختصة بالله عز وجل، وهي التي نفاها الله عز وجل عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأثبتها لنفسه في قوله (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) ، والهداية الثانية: هداية الإرشاد والدلالة إلى الصراط المستقيم وإلى الحق، وهذه ثابتة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولكل الدعاة إلى الله عز وجل من بعده كما قال الله عز وجل (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) فأثبت الله له الهداية في موضع ونفاها عنه في موضع آخر وليس ذلك من التناقض، فالهداية المثبتة هي الدلالة والإرشاد، يدلهم، القرآن هدىً للأحمر والأسود بمعنى الإرشاد والدلالة، وأما هداية التوفيق فهي التي يملكها الله عز وجل وحده يوفق من يشاء، وهذه هي التي قال الله فيها (يهدي من يشاء ويضل من يشاء) أي هداية التوفيق، فيهدي ويضل أي أنه يملك الهداية.
فهنا لما عداه بنفسه فقال (اهدنا الصراط المستقيم) يقول بعض أهل العلم: إن معناه: وفقنا ليس دلنا، وفقنا وألهمنا وارزقنا اتباع الصراط المستقيم، إذا عدي فعل الهداية بنفسه من غير واسطة، وهذا كقوله تبارك وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم) وبعض أهل العلم يقولون (وهديناه النجدين) يجعلونها من هذا القبيل وهذا فيه نظر في الآية الثانية، لأن الأقرب أن قوله (وهديناه النجدين) أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، فهذه من هداية الدلالة والإرشاد.
فإذا عدي بنفسه إذًا بعض العلماء يقولون، معناه: ألهمنا ووفقنا وارزقنا اتباعه، لأن الله هو الذي يملك ذلك وحده، لا أحد يستطيع أن يهدي أحدًا من الناس مهما أوتي من الأساليب والقدر، ولهذا يأتي النبي وليس معه أحد ويأتي النبي ومعه الرجل الواحد، فهل هذا يعني أن النبي قد فشل في دعوته؟ أو أنه ليس عنده أساليب؟ حاشاه من ذلك، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أكمل الناس علمًا وأكملهم بيانًا، ولكن الهداية الله هو الذي يملكها، والدعاة إلى الله عز وجل والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون هداية أحد (إن عليك إلا البلاغ) والله يوفق من يشاء ويهدي من يريد (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) لا تملك هدايتهم لأن هدايتهم موكولة إلى ربهم وخالقهم، بمعنى التوفيق والإلهام إلهام الهدى.