فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 94

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد

فكان آخر ما تحدثنا عنه هو قول الله تبارك وتعالى في سورة الفاتحة (اهدنا الصراط المستقيم) .

واليوم في هذا المجلس الذي هو الأخير في تفسير هذه السورة نتحدث عن قول الله تبارك وتعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) فهذه الجملة (صراط الذين أنعمت عليهم) يمكن أن تكون بدلًا مما قبلها (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) أو تكون من قبيل عطف البيان، ومعلوم أن الفرق بينمها: أن عطف البيان يكون أوضح من البدل، فحينما تقول مثلًا: رأيت أبا حفص عمر، فعمر عطف بيان من أبي حفص لأنه أعرف به وأشهر، فلا يخفى على أحد، تقول: أعدل الناس أبو حفص عمر، فعمر عطف بيان، ولكن لو أنك قلت: أعدل الناس عمر أبو حفص، فإن ذلك يكون من قبيل البدل.

وأشرت لكم في بعض المرات السابقة إلى أن البدل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

بدل كل من كل كالمثال السابق، وبدل بعض من كل كقولك مثلًا: أعجبني زيد وجهه، فوجهه بعض منه، وأما بدل الاشتمال فكقولك مثلًا: أعجبني زيد وقاره، أعجبني زيد سمته، أعجبني زيد خلقه، أعجبني زيد حياؤه، فهذه صفة يشتمل عليها زيد وليست بعضًا من أبعاضه، وليست جزءًا من أجزائه التي ركب منها.

على كل حال قوله هنا (صراط الذين أنعمت عليهم) يمكن أن يكون بدلًا من قوله (الصراط) في التي قبلها (اهدنا الصراط صراط الذين أنعمت عليهم) أو يكون من قبيل عطف البيان باعتبار أنه أوضح (اهدنا الصراط المستقيم) ثم ذكره بما هو به أعرف فقال: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) .

وقد يسأل سائل هنا إذا قلنا إنه من قبيل البدل، قد يقول قائل: إن البدل يكون ما بعده وهو المبدل منه مقصودًا الاستغناء عنه وتركه، كيف يقال إنه من قبيل البدل؟ يعني مثلًا: في قوله تبارك وتعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا) (من استطاع إليه سبيلًا) هؤلاء بعض من الناس فليس كل الناس من المستطيعين، كأنه يقول: ولله على المستطيعين حج البيت أن يحجوا (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا) فالمستطيع هم بعض من الناس، فكأنه استغنى عما قبله، وهو الناس، فجعل ذلك في خاصة المستطيعين، هذا في بدل البعض من الكل.

وكذلك في قولك: أعجبني زيد وقاره، قد لا يعجبك شيء آخر فيه كلباسه ونحو ذلك.

فالمقصود أن هذا السؤال قد يسأله بعضكم، فيقول: كيف قيل إنه بدل أو كيف صح أو كيف جاز لقائل أن يقول إنه من قبيل البدل مع أن البدل قُصِد به الاستغناء عن المبدل منه، أو أن المبدل منه قصد الاستغناء عنه فيقال هذا في بدل البعض من الكل، وفي بدل الاشتمال كما في الأمثلة السابقة.

وأما في بدل الكل من الكل فإنه لا يقال فيه ذلك، لأن المقصود هو الثاني والثاني هو الأول بعينه، لأن المقصود هو حقيقة الشيء والثاني هو الأول، بخلاف بدل الاشتمال وبدل البعض من الكل؛ فإن المقصود هو الثاني فحسب دون الأول، فيكون ذلك في مثالنا هذا كأنه من قبيل التوكيد والتذكير وتقوية النسبة، فإنه لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت