فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 94

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد

فحديثنا لا يزال متصلًا بسورة الفاتحة، وحديثنا في هذا اليوم عن القضايا التي اشتملت عليها سورة الفاتحة تفصيلًا، وقد عرفنا قبل بأنها تدور على موضوعين اثنين هما الثناء والسؤال، هذا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل فيقال في بيان هذه الأمور المجملة: إن سورة الفاتحة قد اختصت بأمور لم توجد في سورة أخرى في كتاب الله عز وجل، ولهذا كانت أعظم سورة في كتاب الله تبارك وتعالى.

فمن خصائص هذه السورة أنها مبدأ القرآن، كما أنها حاوية على جميع علومه، لأنها مشتملة على الثناء على الله عز وجل، ومشتملة على الإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بشكر نعمه، وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين، كل هذا تضمنته هذه السورة.

وكونها مبدأ القرآن هذا واضح.

وأما أنها تحتوي على جميع علوم القرآن فسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل، ومعلوم أن العلوم التي اشتمل عليها القرآن متعددة ينص عليها بعض المفسرين في أوائل تفسيرهم.

وعلى كل حال هي مشتملة على الثناء على الله لأنك تقول: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين) فإضافة المحامد كما سيأتي هذا حمد إضافة أوصاف الكمال، وإعادة ذلك ثانيًا هذا ثناء، وإعادته ثالثًا يكون ذلك من قبيل التمجيد.

كما أنها مشتملة على الإقرار بعبادته سبحانه وتعالى، وهذا من وجوه عدة:

إذ أن ذلك يدل عليه لفظ (الله) وإضافة جميع المحامد إليه كما سيأتي، لأنه لا تضاف المحامد إلا إلى المعبود وحده الكامل من كل وجه.

وكذلك في قولك (رب العالمين) إذ إن ذلك يلزم منه أن يكون هو المفرد بالعبادة.

وكذلك أيضًا في قولك (إياك نعبد) فهذا عين التوحيد.

وكذلك في قولك (إياك نستعين) إذ إن الاستعانة نوع من أنواع العبادة.

كما أنها متضمنة لسؤال الهداية في قولك (اهدنا الصراط المستقيم) .

والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بشكر نعمه، فأنت تقول (إياك نعبد وإياك نستعين) فـ (إياك نستعين) يخرج العبد بهذا من حوله وقوته وطاقته وذكائه ومهاراته، ويعلن عجزه وضعفه وأنه مفتقر كل الافتقار إلى مولاه سبحانه وتعالى لإعانته على الطاعة والعبادة والقيام بذكره وشكره وحسن عبادته (وإياك نستعين) ولهذا كانت هذه الجملة كما سيأتي تطرد عن العبد الغرور والعجب والالتفات إلى النفس والنظر إليها وإلى ما أوتي الإنسان من الطاقات والقدر.

كما أنها أيضًا متضمنة لشأن المعاد وذلك من وجوه متعددة سيأتي الكلام عليها، ومن أوضحها قوله (مالك يوم الدين) فيوم الدين هو يوم الجزاء والحساب هو يوم القيامة، وعاقبة الجاحدين الكافرين، لأنه قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فيتمايز الناس في ذلك اليوم إلى أهل إنعام وإلى أهل ضلال وغضب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت