فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 94

فهذه السورة اشتملت على هذه الموضوعات القرآنية جميعًا، وهي موضوعات عظيمة تكلم عنها القرآن في سور كثيرة وأعاد فيها وبينها أعظم بيان فهي مضمنة في هذه السورة، فهي مشتملة على مقاصد القرآن الأصلية، والعلماء حينما يتكلمون على مقاصد القرآن يعني؛ الموضوعات التي جاء القرآن لمعالجتها وبيانها وآيات القرآن تدور عليها وتشرحها وتقررها بوجوه شتى؛ نجد أن سورة الفاتحة قد تضمنت هذه المقاصد التي قصد القرآن إيضاحها وبيانها للناس.

وأعظم هذه المقاصد التعريف بالمعبود الذي جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه يدعون ويأمرون الناس بتوحيده وتعظيمه التعظيم اللائق، فهذه السورة تحدثت عن هذه القضية وبينتها، وهذا البيان المتعلق بالتعريف بالمعبود بهذه السورة الكريمة يتضح من خلال النظر في ثلاثة أسماء ذكرها الله عز وجل في صدر هذه السورة، والأسماء الثلاثة ترجع إليها جميع الأسماء الحسنى، وهذه الأسماء الثلاثة هي:

(الله) وعرفتم معناه، وقلنا أن جميع الأسماء الحسنى ترجع إليه لفظًا ومعنىً.

وعلى كل حال وعلى أقل تقدير فهو يتضمن صفات الإلهية جميعًا.

والاسم الثاني هو (الرب) (الحمد لله رب العالمين) فالرب في أقل التقديرات عندما لا نتوسع في بيان المعاني التي يدل عليها أو يستلزمها أو يتضمنها فإنه في أقل تقدير يدل على صفات الربوبية، وصفات الربوبية معروفة كثيرة جدًا: الخلق والرَّزْق والإحياء والإماتة وتدبير أمور الكائنات وما أشبه ذلك، فهذه كله من معاني الربوبية.

والاسم الثالث هو (الرحمن) وهو يتضمن أوصاف الإحسان والجود والبر وما إلى ذلك من الأوصاف والأسماء التي تدور في هذا الفلك والسبيل.

كما أن السورة أيضًا مبنية على الألوهية والربوبية والرحمة، فقولك مثلًا: (إياك نعبد) مبني على الألوهية، وذلك أنك قدمت المعمول (إياك نعبد) ما قلت: نعبدك، فإياك نعبد يقتضي الحصر فهو يدل على التوحيد، توحيد العبادة من (إياك نعبد) .

و (إياك نستعين) مبني على الربوبية لأن الذي يعين ويقوي ويعطي ويهب ويمنع وما إلى ذلك هو الرب، فالعطاء والمنع كله من معاني الربوبية.

و (اهدنا الصراط المستقيم) مبني على الرحمة لأن هداية الله عز وجل للعبد إنما هي رحمة أسداها إليه وأكرمه بها، فالمرحوم من وفقه الله عز وجل لهداه فآمن واتبع المرسلين، فهذه أعظم رحمة تحصل للعبد ينتج عنها رحمات في الدنيا ورحمات في الآخرة، فكل رحمة هي ناشئة ومتولدة على هذه الرحمة، وإذا عدم العبد هذه الرحمة؛ رحمة الإيمان والهداية والتوفيق إلى سبيل الله عز وجل وإلى صراطه المستقيم فإنه يحرم بعد ذلك رحمة الجنة، فالجنة هي رحمة الله عز وجل يرحم بها من يشاء، فمن حصل رحمته في الدنيا التي هي الهداية إلى الصراط المستقيم كان ذلك طريقًا إلى تحصيل الرحمة في الآخرة، فضلًا عن كونه طريقًا إلى تحصيل رحمة أخرى في الدنيا، وذلك بطمأنينة القلب وانشراح الصدر والنصر على الأعداء والتمكين والحفظ وما إلى ذلك مما يحصل لأهل الإيمان ويكرمهم الله عز وجل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت