والحمد الذي ذكر في أول كلمة بهذه السورة إذا قلنا إن البسملة ليست آية منها (الحمد) يتضمن الأمور الثلاثة ويتوجه إليها، فالله عز وجل له الحمد المطلق الكامل في إلاهيته، وله الحمد المطلق الكامل في ربوبيته، وله الحمد المطلق الكامل في رحمانيته وفي أسمائه وصفاته، فهو المحمود في ذلك كله المحمود في أفعاله فأفعاله كلها حق وصواب والمحمود في أحكامه الشرعية وأحكامه الكونية القدرية، فأحكامه الشرعية كلها حق وصواب ليس فيها خطأ، وهي حكمة مبنية على علم يضع الأمور فيها في مواضعها لا يشرع تشريعًا إلا هو في غاية الإحكام.
وكذلك الأحكام الكونية، فالله عز وجل لا يقضي قضاء في هذا الكون ولا يقع شيء إلا بعلمه، وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يقع، فكل ذلك التدبير وكل ذلك التسخير وكل ذلك الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والزرق وتفاضل الخلق في العطايا كله مبني على حكمة بالغة وعلى بصر نافذ وعلى علم كامل.
كما أن هذه السورة تتضمن موضوعًا آخر من مقاصد القرآن وهو إثبات المعاد والجزاء، فالله عز وجل يشرح هذا الموضوع ويبين دلائل القدرة على إيجاد الخلق مرة ثانية، تارة يذكرهم بنشأتهم الأولى، وتارة يلفت أنظارهم إلى الشجر الأخضر كيف أخرج منه نارًا، وتارة يبين لهم أشياء مشاهدة في إحياء الأرض بعد موتها بإنزال المطر عليها فتخرج ألوان النباتات، وتارة يلفت أنظارهم إلى وقائع حدثت من إماتة أقوام وإحيائهم كالرجل الذي استبعد إحياء الله عز وجل تلك القرية بعد هلاكها وهلاك أهلها استبعد ذلك في قدر البشر وفي طاقات البشر فأماته الله مائة عام ثم بعثه فأراه عملية الإحياء، وكذلك أولئك الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله عز وجل موتوا ثم أحياهم، وكذلك أيضًا أصحاب الكهف الذين بقوا تلك المدة الطويلة فأحياهم الله عز وجل ورأى الناس ذلك.
كما أنها أيضًا تتضمن التعريف بالصراط المستقيم، وهو الذي جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام ليشرحوه للناس ويبينوا تفاصيله، ونزلت الكتب شارحة له (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فهو الطريق الوسط بين الطرق المختلفة المعوجة، جاءت هذه الفاتحة مشيرة إليه وتعلم العبد كيف يدعو ربه ليسلكه هذا الصراط فيسير عليه ليحقق النجاة عند الله عز وجل.
كما أنها تضمنت تعريف الحال عند الرجوع إلى الله عز وجل، إذ أن الناس في ذلك الحين ينقسمون إلى منعم عليهم (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ذلك الفضل من الله) فهذه هي الطائفة الأولى.
ويأتي أقوام ضلوا عن الحق لجهلم به، فهؤلاء هم الضالون الذين أشارت إليهم هذه السورة، فكل من أعمى الله عز وجل قلبه عن معرفة الحق فزاغ عنه بسبب جهله فإنه من هؤلاء أيًا كان دينه ومذهبه.
وكذلك أهل الغضب وهم كل من عرف الحق ولم يتبع هذا الحق فهو من أهل الغضب.
فالناس على ثلاث طوائف:
قوم عرفوا الحق واتبعوه فهؤلاء هم أهل الإنعام.
وقوم عرفوا الحق ولم يتبعوه فهؤلاء هم أهل الغضب.
وقوم لم يعرفوا الحق وأعماهم الله عز وجل عنه فهؤلاء هم أهل الضلال.