فالذين بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يعرفون حقيقة ما جاء به ولم يتبعوه هم من جملة المغضوب عليهم، وأول من يدخل في ذلك اليهود لأنهم أهل علم ودراية.
وأما النصارى فإن الله عز وجل وصفهم بالضلال لأن الغالب عليهم الجهل ففيهم رهبانية وفيهم عبادة إلا أن العلم قليل فيهم مقارنة باليهود، فهؤلاء أهل الضلال، ولكن كل من عرف حقيقة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو بلغته الدعوة من النصارى ولم يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد اتضاح ذلك واستبانته، فهو من أهل الغضب.
ولذلك نقول: إن هؤلاء النصارى الذين عرفوا حقيقة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يتبعوه هم من جملة المغضوب عليهم.
وكذلك أيضًا طوائف من العالم من الوثنيين من عبدة النار من عبدة الأشجار من عبدة القبور، كل من عرف الحق وحاد عنه لكبر أو لهوىً أو لغير ذلك فهو من جملة المغضوب عليهم، فهي تعرف الحال التي تكون إذا صار الناس إلى الله عز وجل وما يحصل لهم فيه من الجزاء من قوله تعالى (مالك يوم الدين) فالدين معناه الجزاء، معنى ذلك أن الناس سيجازون على أعمالهم لا يبعثون هكذا وإنما يبعثون للجزاء والحساب، كما أنها بهذا الاعتبار تتضمن أيضًا أحوال المطيعين وأحوال الجاحدين فإن أهل الغضب مصيرهم إلى النار، وأهل الإنعام يكون مصيرهم إلى مقتضى ذلك من الإكرام والجنة والنظر إلى وجه الله عز وجل الكريم.
كما أن هذه السورة أيضًا، تضمنت مقصدًا كبيرًا من مقاصد القرآن وهو إثبات النبوات، وذلك من تسعة أوجه:
وتأمل في ألفاظها وكلماتها وحروفها تجد ذلك واضحًا.
فقوله (الحمد لله) كيف نعرف حمده، وكيف نعرف أنه متصف بالصفات التي يحمد عليها إلا عن طريق الكتب وعن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام.
كما أن في إثبات الحمد الكامل لله عز وجل ووصفه بأوصاف الكمال يقتضي ذلك كمال حكمته وأنه لا يخلق الخلق عبثًا ولا يتركهم سدًا.
إذا قلت (الحمد لله) فهو محمود على كل حال، فمن ذلك أنه لا يترك الخلق يخلقهم ثم يفنيهم من غير حكمة، من غير أن يرتب على هذا الخلق أمرًا عظيمًا يحصل بعد ذلك فإن الحكمة تمنع من هذا، فحكمته تبارك وتعالى اقتضت أن يخلق الناس وأن يعطي كل واحد منهم رأس مال وهو العمر ثم يتجر كل إنسان بما أعطاه الله عز وجل من هذا المال أو من رأس هذا المال وهو الدقائق والساعات والثواني، فقوم يشمرون ويجدون ويجتهدون في تحصيل المنازل عند الله عز وجل في دار كرامته، وقوم يشتطون ليحصلوا منازل في دركات النار ثم إذا قدموا على الله عز وجل وقع بينهم التغابن والتفاوت العظيم، فأهل الجنة يتوارثون منازل أهل النار وأهل النار يتوارثون منازل أهل الجنة يعني في النار فكل واحد له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار فذلك يوم التغابن.
ثم أيضًا انظر إلى هذا الاسم الكريم (الله) إذ إن معناه أن هو المألوه المعبود، وهل يمكن أن يعبد إلا عن طريق الرسل وعن طريق الشرائع والكتب التي تأتي بها الرسل عليهم الصلاة والسلام؟ كيف يعبد جل جلاله من غير بعث المرسلين؟