فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 94

ثم تأمل كونه (رب العالمين) فإن هذا يقتضي أنه لا يتركهم هملًا وسدًا لأن الرب يتعهد مربوبه بالإصلاح والتربية، وهذا يقتضي أن يرسل إليهم الرسل فيأمرونهم وينهونهم وينزل عليهم الكتب.

ثم تأمل كونه أيضًا (الرحمن الرحيم) فإن رحمته سبحانه وتعالى تقتضي أن لا يترك عباده من غير بيان لما يرضيه وما يسخطه، فالله عز وجل لا يؤاخذ الناس ولا يعاقبهم من غير أن يبعث إليهم الرسل يبينون الطريق الموصل إليه ويبينون أسباب سخطه ويبينون أسباب مرضاته، فلا يأخذهم تبارك وتعالى من غير بيان وتفهيم وتعليم لما يحبه وما يسخطه، ولهذا يقول الله عز وجل في حق نبيه - صلى الله عليه وسلم - (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .

وتأمل كون الله عز وجل (مالك يوم الدين) فإن من تمام ملكه أن يكون له رسل وكتب يبثها في أقطار مملكته لتبليغ أوامره ونواهيه.

وتأمل في قوله (يوم الدين) فهذا يوم الدين أي يوم الجزاء فمعنى ذلك أن الناس يجازون في الآخرة وهذا الجزاء مرتب على أمر وهو قيام الحجة، وكيف تقوم عليهم الحجة إلا بعد أن يرسل إليهم الرسل وينزل عليهم الكتب.

وتأمل قوله أيضًا (إياك نعبد) فكيف يعبد إلا بما شرع وكيف نعرف ما شرع إلا بإرسال المرسلين وإنزال الكتب والشرائع.

وتأمل قوله أيضًا (اهدنا الصراط المستقيم) فالصراط المستقيم هو الصراط الموصل إلى الله عز وجل هو اتباع القرآن هو سلوك الشريعة واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن للإنسان أن يسلك الصراط المستقيم إلا ببعث الرسل.

وقد حاول أقوام أن يجتهدوا في التعبد في أزمنة هي من أزمنة الفترات وإذا قرأت في أخبارهم وما وقع لهم من محاولات رأيت رحمة الله عز وجل ببعث الرسل عليهم الصلاة والسلام ليبينوا للناس الشرائع.

وتأمل قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فهذه السبل: صراط المنعم عليهم، وصراط أهل الغضب، وسبيل أهل الغضب، وسبيل أهل الضلال، لا يمكن أن يعرف ذلك ويميز إلا عن طريق بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وكذلك أيضًا كيف انقسم الناس إلى أهل غضب وإلى أهل ضلال وإلى أهل إنعام؟ كان الناس لربما في البلد المعين في القبيلة المعينة على ملة واحدة، فيأتي الرسول إليهم فيدعوهم إلى الله عز وجل ويبين لهم البراهين الدالة على صدقه فينقسم الناس في ذلك إلى هذه الأقسام الثلاثة: قوم يتبعونه فهؤلاء أهل الإنعام، وقوم يتبين لهم حقيقة ما جاء به ويعرفون ذلك فينكرونه ويجحدونه فهؤلاء أهل الغضب، وقوم أتباع كل ناعق يطمس الله عز وجل بصائرهم فلا يتبعون الحق وإنما يتبعون سادتهم وكبراءهم أو يعرضون عن ذلك بالكلية من غير قصد إلى جحوده وتكذيبه بأنه قام عندهم ما يدل على ذلك أو أنهم قصدوا تكذيبه لكبر في نفوسهم مثلًا أو نحو ذلك إنما هم أشبه بالبهائم، يتبعون الكبراء والسادة فيحتجون عند الله عز وجل بهذه الحجة الساقطة الواهية (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) فهؤلاء كثير من البشر هم بهذه المثابة يلغون عقولهم ولا يفكرون ويتبعون هؤلاء المضلين.

هذه وجوه دلالة أو اشتمال هذه السورة على مقاصد القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت